سياسة
"نقطة إلى السطر" .. جدل أسبوعي وإثراء للنقاش السياسي في المغرب
30/05/2025 - 16:32
SNRTnews
يشهد البرنامج الحواري التلفزيوني الأسبوعي "نقطة إلى السطر" على القناة الأولى سجالات سياسية حادة باتت علامة فارقة في المشهد الإعلامي المغربي. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة، تزداد حرارة النقاشات التي يثيرها البرنامج كل أسبوع. إذ أصبح السياسيون من مختلف الأطياف يستغلون هذا المنبر المفتوح لعرض مواقفهم والدفاع عن رؤاهم، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مواجهات كلامية ساخنة حول قضايا راهنة تمس الشأن العام.
هذه المواجهات الأسبوعية لا تظل حبيسة أستوديو البرنامج، بل تمتد أصداؤها إلى ساحات النقاش الحزبي ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس حيوية غير مسبوقة للحوار السياسي قبيل موسم انتخابي حاسم.
وتلعب القناة الأولى المغربية دورًا متناميًا في إغناء النقاش السياسي العمومي عبر برنامج "نقطة إلى السطر". إذ نجحت اليوم في فتح المجال أمام تعددية الآراء والاتجاهات على شاشتها. فالبرنامج، الذي تقدمه الإعلامية صباح بن داوود، رفقة الزميل عبد الله لشكر، بات يضيف نكهة مميزة إلى الخارطة الإعلامية من خلال استضافة وجوه سياسية بارزة من الحكومة والمعارضة على حد سواء.
بهذا الانفتاح الإعلامي، أصبحت القناة الأولى منصة للحوار الجاد والشفاف، تتيح للمسؤولين وقادة الأحزاب عرض برامجهم ومواقفهم مباشرة أمام الجمهور. كما أن احترام التعددية في الضيوف والمواضيع ساهم في تعزيز دور الإعلام العمومي كفاعل محوري يواكب النقاش الديمقراطي ويثريه بدل الاكتفاء بنقله فقط.
ولم يقتصر تأثير "نقطة إلى السطر" على مجرد جذب المشاهدين مساء كل ثلاثاء، بل تعداه إلى توجيه دفة النقاش السياسي داخل الأوساط الحزبية وبين المواطنين. فالخطابات والمواقف التي يعبّر عنها الضيوف أمام الكاميرا سرعان ما تصبح مادة للنقاش داخل مقرات الأحزاب وفي صفحات الجرائد ومواقع الأخبار.
وأفرز البرنامج ما يشبه "أجندة سياسية إعلامية" ينتظرها المتابعون لتستشف منها مواقف القوى المختلفة ومستجدات توازناتها. وكثيرًا ما تبادر قيادات حزبية بالرد أو التعقيب على ما قيل في الحلقة، إما عبر بيانات رسمية أو تصريحات مضادة، مما يؤكد مكانة البرنامج كمرجع أسبوعي يُستقى منه نبض الساحة السياسية.
أما الجمهور العام، فقد وجد في هذه المناظرات المباشرة مادة غنية لفهم توجهات الأحزاب ومشاريعها، كما أقبل الشباب خاصة على متابعتها لمواكبة الجدل السياسي الآني. وهكذا، ساهم البرنامج في رفع منسوب الاهتمام بالشأن السياسي لدى فئات أوسع من المواطنين من خلال أسلوب حيوي وتفاعلي غير معتاد.
وتجلّى الدور المؤثر لبرنامج "نقطة إلى السطر" عبر عدة حلقات بارزة استضافت شخصيات سياسية تركت تصريحاتها صدى واسعًا وجدلاً متواصلاً بعد بثّها. ففي إحدى الحلقات استضاف البرنامج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء في الحكومة. حيث استغل بركة المنصة ليبعث رسائل طمأنة وتوضيح بخصوص سياسات الحكومة في ظل تصاعد القلق الشعبي من غلاء المعيشة.
وفي الآن ذاته وجه سهام النقد لـ"الشناقة"، ودعا بصراحة إلى تقليص دور الوسطاء في الأسواق ومحاربة جشع المضاربين بهدف خفض الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرًا أن هناك حاجة إلى ميثاق اقتصادي وأخلاقي يكبح انفلات الأسعار ويحقق قدرًا من العدالة في السوق.
كما حرص بركة على التأكيد أن حزبه ملتزم بالحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية وروح المسؤولية المشتركة، بالرغم من اقتراب موعد الانتخابات وما قد يصاحب ذلك من تنافس حزبي محتدم. وظهرت هذه التصريحات كإشارة إلى حرص مكونات الحكومة على طمأنة الشارع بأنها تعمل بصورة متناسقة لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، وأنها توازن بين الضرورات الانتخابية واستقرار العمل الحكومي.
وشهد البرنامج أيضًا حضورًا قويًا لرموز من حزب العدالة والتنمية، وفي طليعتهم إدريس الأزمي الإدريسي الذي استُضيف في حلقة وُصفت بأنها نارية. إذ استغل الأزمي ظهوره الإعلامي لتقديم قراءة نقدية لأداء الحكومة الحالية من جهة، وللخوض في الخلافات داخل صفوف المعارضة من جهة أخرى.
فلم يوفر الأزمي انتقاداته للحكومة التي اعتبرها فشلت في تلبية تطلعات المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا، مؤكدًا أن حزبه يحمل رؤية بديلة أكثر نجاعة سيتم طرحها أمام الناخبين. وفي سياق متصل، تناول الأزمي قضية ملتمس الرقابة المثير للجدل، كاشفًا عن معطيات حول انسحاب حزب الاتحاد الاشتراكي من التنسيق المشترك لتقديم الملتمس.
وقد ألمح الأزمي بقوة إلى وجود شبهة "بيع وشراء" سياسي وراء تراجع حزب الاتحاد عن المضي في الملتمس، معتبرًا أن خطوة الانسحاب جاءت بطريقة مفاجئة ومريبة قبيل استكمال الترتيبات النهائية للمبادرة.
ورأى أن هذا التصرف يدل إما على أن قيادة الحزب المذكور لا تملك قرارها المستقل أو أنها "عقدت صفقة ما في الكواليس"، وفي الحالتين أمر خطير على الثقة في العملية السياسية. هذه التصريحات النارية أثارت بدورها ردود فعل غاضبة من جانب قياديي الاتحاد الاشتراكي، لكنها في الوقت نفسه سلطت الضوء على شفافية غير معهودة في كشف الخلافات الداخلية بين أطراف المعارضة أمام الجمهور الواسع.
وفي حلقة أخرى أثارت اهتمامًا واسعًا، حلّ عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ضيفًا على "نقطة إلى السطر". إذ جاءت مشاركته في سياق سياسي متوتر عقب فشل مبادرة ملتمس الرقابة الذي تقدمت به بعض أحزاب المعارضة لإسقاط الحكومة.
وخلال اللقاء، قدّم شهيد رواية مفصّلة لكواليس هذه المبادرة، مؤكدًا أن طرح ملتمس الرقابة لم يكن "مؤامرة" كما وصفه البعض، بل تمرينًا ديمقراطيًا مشروعًا أملته أوضاع غلاء المعيشة والاحتقان الاجتماعي آنذاك.
ولم يتردد شهيد في توجيه انتقادات لاذعة لحزب العدالة والتنمية على خلفية موقفه من الملتمس، متهمًا إياه صراحةً بـ"عرقلة جهود المعارضة المشتركة".
وتصاعدت حدّة الخطاب عندما فنّد ادعاءات إدريس الأزمي، النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، التي تحدث عن "صفقة" وراء تراجع الاتحاد الاشتراكي عن المبادرة، إذ اعتبر شهيد تلك المزاعم مجرد افتراءات، بل وصرّح على الهواء أن الحزب المعني "يكذب وسيظل يكذب حتى يصدق كذبته".
هذا الهجوم غير المسبوق من قيادي اتحادي على حزب معارض آخر عكس حالة الاستقطاب الحاد حتى بين مكونات المعارضة نفسها، وخلق زوبعة سياسية إعلامية دفعت بقيادات العدالة والتنمية إلى الرد والدفاع عن موقفهم في منصات أخرى.
وفقا لكل هذا، نجح برنامج "نقطة إلى السطر" في أن يتحول إلى بوصلة أسبوعية للنقاش السياسي، جامعًا حول شاشات التلفزيون جمهورًا متعطشًا لسماع الحوار المباشر والصريح بين الفاعلين السياسيين.
ومع احتدام التنافس الانتخابي في الأفق، أصبح لهذا البرنامج دور محوري في تشكيل أجندة النقاش العام وتوجيه اهتمامات كل من الأحزاب والمواطنين نحو القضايا الأكثر إلحاحًا.
ورغم ما يشوب بعض الحلقات من حدة وجدلية عالية، إلا أنها جسدت حراكًا ديمقراطيًا صحيًا يعكس تنوع الآراء. وهكذا تبرهن الأولى، عبر هذا البرنامج الحواري، على قدرتها على مواكبة نبض الشارع السياسي والمساهمة في إثراء الحوار الوطني.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
سياسة
سياسة
سياسة