مجتمع
الباكالوريا .. لماذا لا يتم الاحتفاء بالمتفوقين الأدبيين؟
19/06/2025 - 10:17
وئام فراج
في كل موسم دراسي، ومع الإعلان عن نتائج امتحانات البكالوريا، تتجه أنظار الرأي العام نحو المتفوقين احتفاءً بإنجازاتهم، غير أن هذا الاهتمام سرعان ما يتحول إلى تركيز يكاد يكون حصريا على التخصصات العلمية، حيث تتصدر صور المتفوقين في شعب الرياضيات والفيزياء واجهات مواقع التواصل والصحف، دون أي التفاتة إلى المتفوقين الأدبيين. فما السبب؟
يرى المفتش في التوجيه التربوي حسن أحنيش أن العديد من التحديات تكرس لنظرة المجتمع "الدونية" أحيانا للتخصصات الأدبية على حساب التخصصات العلمية، مشيرا إلى أن أول هذه التحديات يكمن في اختيار التلميذ لشعبة الآداب كبديل فقط بسبب عدم تفوقه في المواد العلمية وليس عن قناعة.
اختيار عن قناعة
وأبرز أحنيش، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا الأمر لا يحفز على التفوق الدراسي ومن تم تكون نقط بعض التلاميذ ضعيفة، مقارنة بأولائك الذين اختاروا توجههم الدراسي عن قناعة.
وأشار إلى أنه في إطار الحملات المتعلقة بالتوجيه يتم حث التلاميذ على ضرورة أخذ المعلومة عن التكوينات المستقبلية لشعبة الآداب ومقارنتها بقدراتهم الذاتية، موضحا أن توجه التلميذ نحو مجال يعتمد أساسا على اللغات وهو لا يتقنها يُظهر أن التوجه غير مناسب ومن تم لن يحصل على نقط عالية.
في المقابل، أبرز أحنيش أن عددا من التلاميذ يختارون شعبة الآداب عن قناعة ولشغفهم بالمواد الأدبية، لكن رغم تفوقهم وحصولهم على نقط عالية، يصطدمون بتمثلات المجتمع والأسر، لافتا إلى أن الولدين يساهمان أيضا في تكريس هذه النظرة، عبر مقارنة أبنائهم بأقرانهم الذين تفوقوا في التخصصات العلمية.
آفاق محدودة
من جهة أخرى، يرى المفتش في التوجيه التربوي، أن الآفاق التعليمية لما بعد البكالوريا تكرس بدورها لعدم الاهتمام بالمتفوقين الأدبيين، مبرزا أن عدد المؤسسات العمومية ذات التخصص الأدبي قليلة مقارنة بالتخصصات العلمية.
وكذلك الأمر، يضيف أحنيش، بالنسبة للمدارس الخاصة، "فالتلاميذ الأدبيين رغم تفوقهم لا يجدون مدارس خاصة تناسب تخصصهم، لهذا يعد عدم الاهتمام بالآداب في المؤسسات رمزا لتمثلات المجتمع لهذه الشعبة".
وبالنسبة لدور التوجيه في اختيار التخصص المناسب لكل تلميذ، أكد أحنيش أنه في إطار إصلاح منظومة التوجيه، يتم الاعتماد على مقاربة تربوية تحث على جعل عملية التوجيه مبكرة، لكي يتعلم التلميذ انطلاقا من المستوى الابتدائي وعن طريق الأنشطة بلورة مشروعه الشخصي، ويعرف محيطه وجميع المقومات التي لها علاقة بشخصيته التي تربطه بالاختيار واتخاذ القرار.
وأكد على أهمية التوجيه المبكر والنشيط، لكي يكتسب التلميذ منذ السنة الخامسة أو السادسة ابتدائي مهارة الاختيار واتخاذ القرار، إذ يجب أن يكون الاختيار له علاقة شاملة بالتلميذ وليس فقط بالجانب المعرفي.
تكوين المعارف
من جهته، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس رشيد الجرموني، أن "التمييز بين التخصصين الأدبي والعلمي هو ميرات ورثناه عن النظام الفرونكوفوني الفرنسي"، لكن، يقول مستدركا، "هذا النظام كانت له أهداف معرفية وبيداغوجية تخدم توجهات النظام السياسي الفرنسي في مرحلة تطوره بداية من نهاية القرن الـ19 وبداية القرن العشرين".
وأوضح الجرموني، في تصريح لـSNRTnews، أن "الأمر يختلف في المدرسة المغربية التي لم تأخذ بهذا التوجه بما يخدم مصلحة المدرسة والتلاميذ والمنظومة ككل".
وأبرز الأستاذ الجامعي والباحث في سوسيولوجيا التربية، أن التخصصات العلمية والتقنية ترصد لها الجهود والإمكانيات واللوجسيتك من مؤسسات ومدارس وغيرها من أجل التمكن من شغل مناصب عليا كالهندسة والطب.
وأشار إلى أنه على عكس ما هو معمول به، يحتاج التلاميذ والطلاب للتخصصين معا من أجل تكوين معارفهم واكتساب مهارات معرفية ومنهجية تواصلية لمواصلة تعليمهم الجامعي وولوج سوق الشغل.
ولفت في هذا الإطار، لكون "أغلب العباقرة في العالم درسوا تخصصات أدبية وعلمية في الآن ذاته، مبرزا أن أرقى الجامعات المرموقة في العالم مثل جامعة هارفارد تتميز بتخصصات في العلوم الاجتماعية والانسانية كالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية، والتي تحتاج إلى خلفيات فكرية بالأساس وليس تقنية.
كفاءات في كافة التخصصات
وأكد الأستاذ الجامعي على أهمية إتقان اللغات بالنسبة للمهندسين أو الأطباء وغيرهم من التخصصات العلمية، فضلا عن اكتساب قدر من المعرفة بباقي العلوم والتي تكون رصيدا معرفيا هاما بالنسبة للشخص بعيدا عن كل ما هو تقني.
وشدد الباحث في سوسيولوجيا التربية على ضرورة "إعادة النظر في المنهاج التربوي والتعلمي بما يتلاءم مع مستجدات الفكر المركب والخلاق والمبدع في مجال التربية والتكوين وبما يحقق تملكا لكل التخصصات وكل الحقول المعرفية خصوصا في مرحلة التعليم الثانوي التأهيلي".
كما أكد على أهمية تغيير رؤية الأسر والمجتمع لهذا "التمييز"، والاشتغال على إعداد الكفاءات في كافة التخصصات، مشيرا إلى أن "أغلب المغاربة المتوجين بأفضل الجوائز العالمية اليوم يأتون من تخصصات فلسفية ولغوية وعلوم اجتماعية وإنسانية، ما يستدعي الاهتمام بهذه التخصصات وتشجيع المتفوقين فيها".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع