مجتمع
هل تحولت دمية "لابوبو" إلى ظاهرة استهلاكية في المغرب؟
29/06/2025 - 16:56
خولة ازنيزني
بمظهرها الغريب الذي يجمع بين اللطافة والغرابة، بين عيون واسعة، وأذنين طويلتين، وأسنان بارزة وابتسامة ساخرة، شقت دمية "لابوبو" طريقها من رفوف المتاجر الآسيوية إلى قلوب محبي المقتنيات الغريبة في أنحاء العالم، قبل أن تجد لها موطئ قدم في الأسواق المغربية، مدفوعة بزخم ترويجي عالمي وفضول جماهيري متنام.
ظهرت هذه الدمية من خيال الفنان كاسينغ لونغ، وأطلقت عبر شركة "بوب مارت" الصينية في إطار استراتيجية تسويقية تعتمد على ما يعرف بـ"الصندوق الأعمى" لتتحول تدريجيا إلى رمز ثقافي معاصر، وزاد من شهرتها الترويج لها من طرف نجمات عالميات مثل ريهانا، ودوا ليبا، وليزا من فرقة "بلاك بينك"، التي وصفتها بـ"طفلتها".
وسرعان ما التقط صناع المحتوى في العالم العربي هذا الترند، فظهرت "لابوبو" في فيديوهات على "تيك توك" و"إنستغرام"، وتحولت إلى هدية مرغوبة في المناسبات، وزينة للمكاتب والسيارات، وقطعة تعبر عن الذوق العصري والغريب.
وفي المغرب، أصبحت هذه الدمية ظاهرة حقيقية، حيث ظهرت في مقاطع مصورة وكليبات لفنانين ومؤثرين، وتصدرت صورها حسابات مشاهير الموضة، كما تجاوز عدد الفيديوهات المتعلقة بها أكثر من 1,7 مليون فيديو على منصة "تيك توك"، مع انتشار هاشتاغات توثق عمليات "فتح الصناديق" التي تحظى بملايين المشاهدات.
وفي هذا السياق، وجدت "لابوبو" طريقها إلى الأسواق المحلية والمتاجر الإلكترونية المتخصصة في المنتجات الكورية واليابانية، ورغم أنها بدأت كلعبة موجهة لعشاق ثقافة البوب الآسيوي، إلا أنها تحولت سريعا إلى ترند استهلاكي رائج بين فئات عريضة، خصوصا جيل الألفية والجيل زد.
يوضح عبد الله بن طالب، مستورد ألعاب وعضو جمعية تجار سوق الجملة بدرب عمر في الدار البيضاء، أن الإقبال على دمية "لابوبو" ارتفع بشكل ملحوظ منذ شهر ونصف، إلا أن ارتفاع أسعار بعض النسخ يؤدي أحيانا إلى تراجع الطلب بين التجار بشكل مؤقت.
ويضيف بن طالب، في تصريحه لـSNRTnews: "نستورد هذه الدمى أساسا من الصين وإسبانيا، وتعتبر النسخ الإسبانية أعلى جودة وبالتالي أغلى سعرا، إلا أن أسعارها تراجعت خلال الأسابيع الأخيرة، حيث يتراوح سعر الجملة حاليا بين 150 درهما و200 درهما، بعدما كان يتجاوز 350 درهما في السابق."
ويشير بن طالب إلى أن السوق المحلية تضم نوعين من الجودة (الأولى والثانية)، لكن هذا التنوع لا يترجم دائما إلى تفاوت كبير في الأسعار، مؤكدا أن التجار يحرصون على استيراد الدفعات الجديدة فور إصدارها عالميا، وهو ما يساهم في تعزيز الطلب وخلق حالة من الترقب في أوساط الزبائن، ومواكبة الموضة الدولية.
هوس ثقافي يتجاوز الفئة العمرية
من جهته، يرى سفيان المراكشي، مالك متجر إلكتروني متخصص في المنتجات الكورية واليابانية، أن دمية "لابوبو" تحولت إلى ظاهرة تتجاوز كونها مجرد لعبة، موضحا أنها أصبحت من بين أكثر المنتجات طلبا في الأشهر الأخيرة، وغالبا ما تنفد فور الإعلان عن وصول دفعة جديدة.
ويضيف المراكشي، في تصريحه لـSNRTnews:"ما نراه ليس مجرد لعبة، بل موجة ثقافية تعبر عن ذوق جيل بأكمله، فهناك شابات يشترينها كتذكير بالطفولة، وشبان يعتبرونها قطعة فنية أو أكسسوارا عصريا يعبر عن التميز والغرابة."
كما يروي أن "أحد الزبائن، وهو رجل في الثلاثينات من عمره، عاد إلى المتجر ثلاث مرات خلال أسبوع واحد فقط بحثا عن نسخة ‘سيكريت’ النادرة، ما يظهر أن الهوس لا يقتصر على الأطفال فقط."
كما يوضح محمد الطالبي، وهو تاجر متخصص في بيع الدمى، أن طريقة تسويق دمى "لابوبو" لا تقل غرابة عن شكلها، قائلا: "الطلب على 'لابوبو' فاق توقعاتي تماما، ففي البداية لم أكن مقتنعا بفكرة بيعها، لأن مظهرها غريب ولا يشبه الألعاب التقليدية، لكن سرعان ما أصبحت الأكثر طلبا في المتجر".
وأضاف الطالبي، في تصريحه لـSNRTnews:"تبدأ أسعار الدمى من حوالي 350 درهما، وتصل إلى أكثر من 1500 درهما، بالرجوع إلى النسخة وندرتها، حيث يعيد بعض الزبائن الشراء مرارا لأنهم لم يحصلوا على النموذج الذي يريدون، أو يطلبون علبة كاملة من الصناديق أملا في الحصول على إصدار نادر"، مشيرا إلى أن الزبناء لا يقتصرون على الأطفال، إذ انها تلقى رواجا كبيرا بين البالغين.
أما على الصعيد العالمي، فتصل أسعار بعض الإصدارات النادرة إلى أكثر من 1580 دولارا، فيما يباع نموذج "سيكريت" النادر في مزادات إلكترونية بسعر قد يفوق 1920 دولارا، بسبب ندرة الحصول عليه التي لا تتجاوز 1,4%.
ويعتمد نجاح "لابوبو" على استراتيجية تسويق قائمة على "الصندوق الأعمى"، وهي تقنية تسويقية تقوم على بيع الدمية داخل علبة مغلقة لا يعرف الزبون محتواها إلا بعد فتحها، وهذه الطريقة تولد شعورا بالمفاجأة، وأحيانا بـ"المقامرة النفسية"، ما يدفع إلى تكرار الشراء.
ومن منظور اقتصادي أوسع، تمثل "لابوبو" نموذجا لما يُعرف بـ"الاقتصاد الثقافي الصيني"، وهو مجال تحاول فيه الصين تصدير رموز ثقافية حديثة لتغيير صورتها النمطية في الأسواق العالمية.
ووفق صحيفة El País الإسبانية، فإن نجاح "لابوبو" يعود إلى المزج بين المظهر الغريب والعنصر العاطفي، كما أشار عدد من الأطباء النفسيين إلى أن ظاهرة "الشراء المتكرر" تعكس هوسا جماعيا شبيها بما حدث مع دمى "بيبي بينيز" في التسعينيات.
من الناحية المالية، كشفت تقارير أن 40% من إيرادات شركة "بوب مارت" تأتي من خارج الصين، وقد تضاعفت قيمة أسهمها ثلاث مرات هذا العام في بورصة هونغ كونغ، لتصل إلى 34,40 دولارا أمريكيا، وتتوقع الشركة تحقيق إيرادات تبلغ 27 مليار دولار بنهاية عام 2025.
كما وصلت الثروة الصافية لمؤسس الشركة، وانغ نينغ، إلى 20,5 مليار دولار، ما جعله من بين أغنى 10 أشخاص في الصين، بحسب مجلة فوربس.
رغم نجاحها الكبير، لا تخلو تجربة لابوبو من الجدل، فقد حذرت سلطات سنغافورة من تسويق الدمية داخل صناديق مغلقة دون رقابة، معتبرة ذلك شكلا من أشكال المقامرة، في إشارة إلى أن التسويق بهذه الطريقة قد يكون مثيرا للجدل من الناحية القانونية والأخلاقية في بعض البلدان.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
عالم
فن و ثقافة