فن وثقافة
أحواش.. رقصة الجماعة التي تحكي الهوية
06/07/2025 - 23:02
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينبين سهول سوس وواحات باني ودرعة إلى تخوم الصحراء الشرقية بتافيلالت وواحات زاكورة، موطن قبائل عريقة، يتجذر تعبير ثقافي حي يعكس روح المكان وسيرورة الإنسان.
في منطقة تتقاطع فيها التضاريس ويتكامل فيها التنوع الطبيعي مع تعدد مكونات الهوية، تنبع رقصة جماعية متكاملة العناصر ارتبط ذكرها بالفرح والاحتفاء، وتحمل في تفاصيلها مفاتيح لفهم أعمق للحياة الاجتماعية والثقافية في المنطقة، إنه فن أحواش.
يعد فن أحواش من أبرز تجليات الموروث الثقافي الأمازيغي، باعتباره لوحة فولكلورية تقليدية ومشاهد إبداعية متكاملة تدمج بين الشعر والموسيقى والرقص والزي، في طقس جماعي ينبض بالحياة. ويعكس تفاعل الإنسان الأمازيغي مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، من خلال عناصر متنوعة، تشمل الغناء الجماعي، والأهازيج الشعرية، والحركات المتناغمة، وأزياء تحمل دلالات الهوية والانتماء.
الرقصة لغة الجماعة
تؤدى رقصة "أحواش" في مناسبات الفرح الجماعي، خاصة الأعراس والمواسم، وتجمع بين النساء والرجال في مشهد دائري أو صفوف متقابلة تتمايل على إيقاع "الدف" أو "تالونت"، في أداء ينسج تفاعلا متواصلا بين المشاركين والجمهور.
تبدأ الرقصة بمقطع افتتاحي يسمى "تحواشت"، وغالبا ما يكون الافتتاح بالبسملة وطلب العون من الله، وهي المرحلة الأولى التي يضبط فيها الإيقاع ويُختبر فيها تماسك الصفوف.
يرحب خلالها بالحاضرين وتدعى الجماعة إلى الانغماس في عمق الرقصات المقدمة طيلة الليلة، ثم تتصاعد الحركة تدريجيا وتتسارع الإيقاعات. تبدأ الصفوف بنقر بطيء على الدف في تمايل جماعي، تتحرك فيه النسوة في منحى معاكس للرجال، في ترديد متبادل وأداء غنائي راقص يتواصل طوال أطوار أحواش.
ووفقا للحسن أمراق، مقدم فرقة أحواش سيدي داود المشاركة ضمن فعاليات الدورة الـ54 من المهرجان الوطني للفنون الشعبية، فإن عدد المشاركين في الرقصة يتراوح غالبا بين 35 و40 فردا، ويضم على الأقل 15 رجلا و20 امرأة، غير أن العدد يرتبط بعنصرين أساسيين: اتساع الفضاء المعروف بـ"أسايس"، فكلما اتسع المرقص، زاد الإقبال عليه وازداد عدد المشاركين، ثم طبيعة المناسبة وظروفها المناخية والاجتماعية.
ويؤكد أمراق، في حديثه لـSNRTnews، أن كثرة المشاركين تساهم في إغناء الفرجة وإتقان الأداء.
وأضاف أن أداء أحواش يمتاز بالتفاعل الغنائي المتبادل بين صفوف النساء وصفوف الرجال، حيث يتم تداول أبيات شعرية أمازيغية في شكل محاورة، تتخللها حركات جسدية تدل على تمرين جماعي وخبرة متراكمة، حيث تتمايل أجساد الرجال والنساء في صفوف منسجمة، ويتبادلون الأهازيج ويحيون موروثا فنيا عميقا، يفتح أبوابا لفهم روح المجتمع الأمازيغي، وانفعالاته، ورموزه.
كما أبرز أنه تغلب على النصوص الشعرية موضوعات الحب والجماعة والطبيعة والمواسم الزراعية، بأسلوب تصويري رمزي يعتمد المقارنات ويستحضر صورا ذهنية عميقة.
تقام الرقصة غالبا في ساحة مكشوفة تعرف محليا بأسماء مختلفة مثل "أسايس"، أو "أساراك" أو "أسرير"، وهي ساحة ترتبط بهندسة القصور التقليدية في الجنوب الشرقي، التي لطالما شكلت فضاء جامعا للمناسبات والاحتفالات والقرارات الجماعية.
زي تقليدي حامل للهوية
يتكامل التعبير الفني في "أحواش" مع جمالية اللباس التقليدي الذي يعكس البعد الرمزي للرقصة؛ إذ يرتدي الرجال "التشامير" والعمامة والخنجر الفضي، فيما تتزين النساء بـ"تاطرفت" و"تيخلالين" و"البلغة"...
وفي هذا السياق، يشدد الحسن أمراق على أهمية الحفاظ على اللباس التقليدي للفرقة، قائلا: "الأصالة تظهر في الزي، لذا لا يمكن تغييره بداعي العصرنة، بل يجب أن يكون موحدا ويعبر عن هوية المنطقة وتمثيلها الفني."
من جانبها، تشير سعيدة خيدي، عضو فرقة أحواش سيدي داود، في حوارها مع SNRTnews، إلى أن الحرص على هذا اللباس هو جزء من الحفاظ على الأصالة، رافضة أي تغيير يندرج في إطار العصرنة.
وتضيف خيدي أن المرأة تحظى داخل الفرقة بمكانة محترمة، وتمنح فرصة التألق على قدم المساواة مع الرجل.
وتؤكد الفنانة أن الفرقة بدأت بشكل متواضع قبل أن تتوسع وتشارك في تظاهرات وطنية ودولية، منها مهرجانات في روسيا وفرنسا، ما أتاح لها التعريف بمنطقتها وتمثيل موروثها الثقافي، مضيفة أنها تعلمت هذا الفن منذ صغرها، وبات يشكل جزءا لا يتجزأ من حياتها. وتقول: "أحواش فن يصالح النفس ويحل النزاعات والمشاكل ويخلق لحظات من الفرح داخل الجماعة".
"أعلام".. قائد الرقصة
تترأس الفرقة شخصية محورية تسمى "أعلام"، وهو قائد الرقص وملقن الحركات، وأكثر الأفراد خبرة ووجاهة. يتولى هذا القائد مهمة ضبط الإيقاع وتناغم الصفوف، ويُشترط فيه الإلمام بالأوزان والألحان والقياسات الزمنية، والقدرة على التمييز بين الإيقاعات، إضافة إلى الثقافة الموسيقية، والذوق الفني، والخبرة العملية.
كما يجب أن يكون خبيرا في الحركات وفنونها، سواء تلك الموروثة أو المستحدثة، مع قدرة عالية على التحكم في توازن الجسم وخفة الحركة. وبدون هذا العنصر، لا تكتمل رقصة "أحواش" كما تقضي بذلك التقاليد المحلية.
وتكتمل الرقصة بتوفر مجموعة من العناصر الأساسية، هي: الشاعر، والراقصون، والجمهور، والمقدم، ويشترط في الشاعر حفظ الأشعار وسرعة البديهة، بينما يتطلب من الراقصين الانضباط في الأداء، والالتزام بحركات منسجمة، والإلمام بالأوزان والألحان، بينما يسند الضبط الإيقاعي إلى عازفين متقنين للعزف على أدوات مثل "تالونت" و"العواد".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة