فن وثقافة
رقصة تيزويت.. عندما تتحول خلية النحل إلى عرض فني
13/07/2025 - 17:50
أيوب محي الدين | خولة ازنيزنيعلى ضفاف وادي "مگون"، حيث تتجاور الورود مع القصور والقصبات الطينية، يحيي السكان المحليون رقصات جماعية مثل "أحواش" و"أحيدوس نمگون"، ضمن تعبيرات فنية ضاربة في عمق الموروث الثقافي المغربي. ومن أبرز هذه الفنون، رقصة "تيزويت" أو "النحلة"، التي أصبحت علامة مميزة في المشهد التراثي للمنطقة.
رقصة النحلة، أو "تيزويت" بالأمازيغية، هي رقصة جماعية مستوحاة من تنظيم خلية النحل، وتعد من أبرز الفنون الغنائية الراقصة في الجنوب المغربي؛ إذ ارتبطت هذه الرقصة بمظاهر الاحتفاء التي ترافق مواسم الحصاد وإنتاج الورود في فصل الربيع، كما تقام خلال الأعراس والمناسبات الجماعية، وتشكل وسيلة للاحتفال بالخصوبة ودورة الحياة، وأداة للترحيب بالضيوف.
تلتقي صفوف العازبات المزينات بتاج من الصوف الملون، يشبه ألوان الورود التي تزهر في واحات الجنوب الشرقي، ويشاركن رجال القبيلة في حوار غنائي راقص تتخلله حركات رمزية، أبرزها "تفتح الزهرة".
تحدث رئيس فرقة "تيزويت"، إبراهيم أودرا، لـSNRTnews، عن الخصوصية الثقافية والتاريخية لهذا الفن، مبرزا أن الرقصة تقوم على تناغم تام بين المشاركين، وتتميز بالدقة والانضباط، ما يجعلها محاكاة فعلية لروح التعاون والعمل الجماعي التي تميز خلية النحل.
وأشار إلى أن تشكيل الفرقة يجب أن يكون بعدد فردي، بحيث يفوق عدد الرجال عدد النساء بفرد واحد.
وأوضح أودرا أن كل رئيس الفرقة أو "المايسترو" يجسد دور "ملكة النحل"، ويتحكم في مجريات الرقصة من خلال إشارات دقيقة يفهمها المشاركون، وأي خلل في اتباعها يؤدي إلى اضطراب الإيقاع وتشويه الدلالة الرمزية للأداء، بينما تمثل النساء وصيفات الملكة ويتبعن نسقا محددا في الأداء.
خلال العرض، ينفصل الرجال الذين يجسدون جنود النحل عن صفوفهم المشكلة بإحكام، ليكوّنوا نصف دائرة يتوسطها القائد، وتقوم النساء بالحركة نفسها، في تبادل للأدوار ضمن رقصة تتقدم وتتراجع مع إيقاعات "البندير" وصيحات الجماعة وهم يرددون الأهازيج.
وتبلغ الرقصة ذروتها عندما يجلس الرجال أرضا مواصلين دق دفوفهم، بينما تدور النساء حولهم.
الرقصة في تفاصيلها تجسيد للنحلة وهي تطوف حول الزهور، رمزا للمنتج المحلي الشهير عالميا، وتحاكي بانسيابية النظام الطبيعي وسيرورة الحياة الزراعية في المنطقة، ويضفي الحضور القوي للشعر الأمازيغي على الأداء طابعا ثقافيا عميقا، يتجاوز الإيقاع والحركة.
وجود العنصر النسائي في الرقصة ليس عنصرا تكميليا، بل مكونا أساسيا، إلا أن المشاركة النسائية تخضع لشروط دقيقة، كما يؤكد أودرا؛ إذ يشترط أن تكون المشارِكات عازبات، بشعر طبيعي وطويل، لأن المظهر يعتمد على تنسيق الزينة مع الشعر الحقيقي، لا المستعار، كما تتطلب الرقصة مجهودا بدنيا كبيرا وانضباطا صارما في التوقيت والحركة.
أما الحلي وبعض الأزياء، فهي تقليدية ونادرة وغير متوفرة في الأسواق؛ إذ ورثتها النساء عن جداتهن اللواتي احتفظن بها بعناية، ما يمنح العرض أصالة وفرادة يصعب تكرارها، سواء في الشكل أو المضمون الفني.
ويضيف أودرا أن هذه الخصوصيات تجعل من رقصة "النحلة" حالة فنية مختلفة عن باقي الرقصات الشعبية، وتحفظ لها مكانة خاصة في الثقافة الأمازيغية.
ويؤكد "مايسترو تيزويت" أن الفرقة، منذ تأسيسها في ستينيات القرن الماضي، استطاعت الحفاظ على هذا التراث ونقله من جيل إلى جيل، ومثلت المغرب في عدد من المحافل الدولية، منها فرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وبلجيكا، مما ساهم في التعريف بثقافة قلعة مگونة، وجعل من الفرقة سفيرة فنية للمنطقة.
كما يشير إلى أن دور الفرقة لا يقتصر على العروض الفنية، بل يمتد إلى توثيق وترويج العادات والتقاليد الأصيلة، والمساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية للمنطقة، خاصة في ظل المتغيرات الثقافية التي تشهدها الأجيال الصاعدة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
اقتصاد