فن وثقافة
الكدرة.. حين يتحول الإيقاع إلى وسيلة تعبير اجتماعي وثقافي
07/07/2025 - 17:52
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينفي قلب جغرافيا مترامية الأطراف، حيث تتنوع التضاريس، بين الهضاب الصخرية والكثبان الرملية، وفي سهوب تقاطعت فيها دروب الرعاة وقوافل الرحل، وُلدت رقصة الكدرة كذاكرة جماعية خصبة. تحمل في تفاصيلها ملامح البيئة الصحراوية، وتقدم نبضا حيا لحياة البداوة، مجسدة توازن الإنسان مع محيطه، ومترجمة بجسد الراقصة وصوت آلة الكدرة سرديات فنية عن التاريخ، والزواج، والخصوبة، والانتماء.
تعد رقصة "الكدرة" واحدة من أشهر التعبيرات الفنية الإيقاعية التي تمارس بشكل واسع في المجال الصحراوي، حيث ارتبطت بقبائل واد نون، وتعتمد بالأساس على خطاب الجسد، باعتباره موضوع الإيماءة، ومركز الرؤية، ومصدر الحركة في الفضاء، كما تقدم ضمن سياقات كوريوغرافية متنوعة، وداخل حوار جماعي يعج بالكلمة والشعر والحركة.
وقد استمدت الرقصة تسميتها من الآلة الإيقاعية "الكدرة"، وهي طبل عريض مصنوع من الفخار، يغطى بجلد الماعز، ويضرب على هذه الآلة باليدين، أو باستخدام قضيبين يطلق عليهما اسم "لمغازل"، ما ينتج إيقاعا موسيقيا متناغما تُواكبه عملية تصفيق جماعية مستمرة.
تعتبر "الكدرة" تعبيرا أدبيا وشعبيا يتمركز في الناحية الشمالية للصحراء، وهو مجال يتميز بوجود نتوءات ومرتفعات جبلية، ما يفسر أن مجال انتشار "الكدرة" يرتبط بحياة بدوية قائمة على رعي الأغنام والماعز، وبحضور عشائر وإثنيات مختلطة، ما أسهم في بلوة هذا الشكل الفلكلوري، الذي يستمد مقوماته من بيئته المباشرة.
وعن الخصوصية الثقافية والتاريخية لهذا الفن، تحدث رشيد الذهبي، رئيس فرقة الكدرة للرقص والطرب الحساني، في حواره مع SNRTnews، حيث أكد أن رقصة "الكدرة" فن محبب، تقدم عبره لوحات فلكلورية متميزة.
يقول الذهبي: "ارتبطت الرقصة بمظاهر الفرحة والسرور في المجتمع الصحراوي، حيث غالبا ما تقام خلال الحفلات والأعراس، ويعتمد أداؤها على النقر على الطبل والغناء من طرف الرجال فقط، بينما تتولى النساء الرقص وهن جالسات على ركبهن وسط العازفين المتحلقين حولهن."
وأوضح الذهبي أن الأصل في تأديتها أن تقوم بها الفتاة المقبلة على الزواج، إذ تُقدم رقصات تعبر فيها عن جمالها ومحاسنها، ليأتي من يرغب في الزواج منها ويرفع الملحفة عن رأسها، في دلالة رمزية على رغبته في الارتباط بها.
وبخصوص اللباس، أكد الذهبي أن الفنايين يلتزمون بالزي الصحراوي الذي يتميز بزخارفه وأبعاده الوظيفية، حيث يرتدي الرجل الدراعة واللثام، وهي ملابس تساعده على التأقلم مع مناخ المنطقة القاسي.
كما أوضح أن عدد أعضاء فرقة الكدرة ليس محددا، وكلما ازداد عددهم كان ذلك أفضل، مشبها إياها بفرقة "أحواش" التي قد تضم خمسين فردا لخلق فرجة جماعية متكاملة.
وفي هذا السياق، أشار الذهبي إلى وجود شكل فني آخر يقابل "الكدرة"، هو رقصة "الطبل"، والتي ترتبط بمربي قطعان الإبل، موضحا أن هذه الرقصة تتميز بكون مجالها الجغرافي أكثر انبساطا، وأن آلة "الطبل" ليست دائرية مغلقة، تضرب بالأيدي، في محاكاة إيقاعية لأثر أخفاف الإبل على الأرض.
أما من حيث توقيت الأداء، فيحدد لهذه الرقصة زمن معين غالبا ما يكون في الضحى أو العشية أو في بداية الليل. وعن المؤدين لرقصة الكدرة، تتمركز على لعب الرجال، وتكون المرأة حاضرة بدلالات مختلفة، وليست من أجل تأثيث المجال أو الرقص فقط، وإنما تكون مواكبة بالإيقاع الصادر من النقر على الكدرة، وبالتالي، تحاول أن تعبر عن انشغالات وتمثلات صورية في ذهن المجتمع؛ وما دامت ترقص داخل هذه الحلقة فهي محط اهتمامهم، حيث يقوم الرجال بحمايتها والدوران حولها.
وتمتد الرقصة عبر جولات إيقاعية، تتضمن كل جولة ثلاث "حمايات"، تبدأ بإيقاع بطيء، يتصاعد تدريجيا بانخراط كل أعضاء المجموعة، وتردد خلاله مقاطع شعرية غالبا ما تكون غزلية، وعند بلوغ ذروة الإيقاع، تختتم الرقصة بالقفل، حيث تتقدم إحدى الراقصات إلى وسط الحلقة، إلى أن تزداد السرعة وترديد عبارة "هيا هيا"، في دعوة صريحة لخطبة الراقصة، ما يقدم الرقصة بعدا اجتماعيا واضحا مرتبطا بالزواج.
رمزية اجتماعية وتقاليد عريقة
في مشهد يتضمن تحرك الراقصة حافية القدمين، برأس مائل مزين بالضفائر وجدائل مزينة بالحلي التقليدية، تجثو على ركبتيها وتبدأ بتحريك يديها وجسدها في تموجات منسجمة مع الإيقاع، فتقترب من أفراد المجموعة الذين يزدادون حماسة وتصفيقا، لتدخل إلى فضاء "الكدرة"، وتؤدي رقصتها بإيقاع متناغم، مع الحفاظ على عينيها نصف مغمضتين، وحركات دقيقة بالأصابع والذراعين، ما يجعل منها رمزا للأنوثة والخصوبة، حيث يسهم اللعب بالأصابع واليدين والعيون ونصف الجسد الأعلى في تحديد مهمة الراقصة.
أما عن الجانب الجمالي والبصري، فتؤكد سميرة، عضو فرقة الكدرة للرقص والطرب الحساني، أن الرقصة ترتبط بمظاهر الاحتفاء، وتشكل عنصر جذب ومشاركة مجتمعية.
وأضافت الفنانة، في حديثها لـSNRTnews، أن الزي النسائي في الرقصة له قيمة رمزية في التعبير عن الخبرة والقيم ومعايير المجتمع، فإلى جانب الحلي والحناء، نجد الملحقة كلباس رسمي لدى النساء الصحراويات والذي يرافقه "ليزار"، والظفيرة لتزيد الفتاة جمالا. ويبقى الزي من أهم ما تفتخر به النساء في فن الكدرة ويتباهين به، لكونه موحدا ويعبر عن الخصوصية الفنية لامرأة الأقاليم الصحراوية.
وتؤكد أنه يكاد لا يخلو أي بيت من فرد يتقن رقص الكدرة، إذ ارتبطت بأهداف مجتمعية متعلقة بتحقيق اللمة بين الناس والقبائل والترويح عن النفس، مشددة أنها تعز هذا الفن وتعتز به منذ طفولتها، حيث تلقنت أساسيات الكدرة على يد والدتها.
وتشير سميرة أن رقصة الكدرة لم تعد مقتصرة على الاحتفالات المحلية، بل أصبحت حاضرة في العديد من المهرجانات الوطنية والدولية، مما يتيح فرصة تمثيل هذا التراث ونقله إلى جمهور أوسع.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة