مجتمع
كوكتيل الكورتيزول: وصفة صحية أم صيحة رقمية جديدة؟
04/08/2025 - 19:05
خولة ازنيزني
تشهد منصات التواصل الاجتماعي، لاسيما "تيك توك" و"إنستغرام"، في الآونة الأخيرة، رواجا لعدد من الوصفات الطبيعية، من بينها مشروب يعرف بـ"كوكتيل الكورتيزول" أو "كوكتيل الغدة الكظرية"، الذي يروج له كصيحة صحية طبيعية لمواجهة التوتر والإرهاق المزمن.
ظهر هذا المشروب غير الكحولي في سياق تصاعد الضغوط اليومية، حيث يقدم كمزيج من ماء جوز الهند أو الماء العادي مع عصير الليمون أو البرتقال، ومسحوق المغنيسيوم أو أحد مكملاته، إلى جانب رشة من ملح البحر أو ملح الهيمالايا، وأحيانا يضاف إليه الماء الفوار.
تقوم فكرته الأساسية على دعم توازن هرمون الكورتيزول في الجسم، والمعروف بـ"هرمون التوتر"، بهدف تهدئة الجهاز العصبي، وتحسين جودة النوم، وتعويض المعادن المفقودة نتيجة التوتر المزمن أو انخفاض ضغط الدم.
وقد انتشرت على المنصات الرقمية مئات الفيديوهات التي تشرح طريقة تحضيره، وتوصي بشربه بعد يوم شاق أو قبل النوم، حيث يقدمه عدد من المؤثرين باعتباره "مشروب المرحلة"، في ظل تسارع وتيرة الحياة وارتفاع مستويات التوتر، وينظر إليه كوسيلة فعالة لتقليل التوتر، وتعزيز الطاقة، وتحقيق توازن في وظائف الغدة الكظرية.
غير أن هذا الإقبال يثير تساؤلات حول مدى صحة المزاعم المرتبطة بهذا المشروب، وعما إذا كانت تستند إلى أسس علمية أم أنها مجرد امتداد لصيحات غذائية غير موثوقة.
انتقادات علمية لمزاعم "كوكتيل الكورتيزول"
ترى أسماء زريول، أخصائية التغذية، أن الترويج للمشروب بني على مفهوم غير دقيق علميا، يتعلق بما يعرف بـ"إرهاق الغدة الكظرية".
توضح زريول في تصريحها لـSNRTnews: "يروج البعض لفكرة أن الغدة الكظرية تُرهق نتيجة الضغط المستمر، مما يؤدي إلى أعراض مثل التعب، والقلق، وانخفاض الطاقة، وهو أمر لا يستند إلى تشخيص طبي معترف به".
وتشير إلى أن هذه الأعراض حقيقية، لكنها غالبا ما تكون ناجمة عن مشكلات أخرى، مثل اضطرابات النوم، أو مشاكل الصحة النفسية، أو أمراض غير مشخصة كقصور الغدة الدرقية، أو السكري، أو حتى فقر الدم، مشددة على غياب أي اعتراف طبي رسمي بمفهوم "إرهاق الغدة الكظرية".
وتضيف أن مكونات المشروب قد تسبب آثارا سلبية عند استهلاكها بشكل عشوائي أو مفرط: " لاحظنا حالات لاحتباس السوائل في الجسم نتيجة اتباع وصفات الكورتيزول بانتظام خاصة ممن يبحثون عن زيادة في الوزن، غير أن ما يحدث فعليا هو تخزين غير طبيعي للماء، قد يؤدي لاحقا إلى سمنة حقيقية."
وتلفت زريول إلى أهمية الكورتيزول كهرمون ستيرويدي تنتجه الغدد الكظرية، ويلعب دورا محوريا في تنظيم عمليات حيوية مثل استقلاب السكر، وضغط الدم، ودورة النوم والاستيقاظ، والمناعة، إلى جانب دوره الأساسي في الاستجابة للتوتر.
وترى أن أي تدخل في مستوى هذا الهرمون يجب أن يكون محسوبا بدقة، إذ إن ارتفاع مستوياته لفترات طويلة، كما في حالات التوتر المزمن، بعد التعرض بشكل مستمر للضغوط النفسية، قد يؤدي إلى اضطرابات صحية، لاسيما على مستوى في المناعة.
تأثير ترطيبي أم "دواء وهمي"؟
يروج لمكونات المشروب على أنها تسهم في توازن الكورتيزول، ودعم وظائف الغدة الكظرية، وتقليل التوتر. فماء جوز الهند يحتوي على البوتاسيوم، وعصائر الحمضيات غنية بفيتامين "سي"، بينما يسهم الملح والمغنيسيوم في تعويض المعادن التي يعتقد أنها تستنفد بفعل التوتر.
يعتقد أيضا أن للمغنيسيوم دورا في تقليل مشاعر القلق، ولهذا السبب تضاف مكملاته أحيانا إلى الوصفة.
لكن زريول تشدد على أن نقص البوتاسيوم حالة نادرة لدى من يتبعون نظاما غذائيا متوازنا، خاصة في بلدان البحر الأبيض المتوسط التي تعتمد على الفواكه والخضروات.
وتضيف أن تعويض المغنيسيوم يجب أن يكون تحت إشراف طبي، لأن استهلاك المكملات عشوائيا قد يسبب اضطرابات قلبية أو مشاكل كلوية أو ارتفاعا في ضغط الدم والكوليسترول.
وترى أن التحسن الذي قد يشعر به بعض الأشخاص بعد شرب المشروب، يعود في الغالب إلى تحسن مستوى الترطيب، أو تأثير الدواء الوهمي (Placebo Effect)، حيث يستجيب الجسم إيجابيا نتيجة توقعات ذهنية مسبقة.
وتضيف أن المشروب ليس علاجا، ولا يغني عن المتابعة الطبية، خصوصا في حالات القلق المزمن أو الاكتئاب. كما قد يكون ضارا لمرضى الفشل الكلوي، أو من يتبعون حمية منخفضة الصوديوم، أو من يعانون من اضطرابات في ضغط الدم.
وتحذر أيضا من خطر الإصابة بمشاكل مثل السكري وهشاشة العظام على المدى البعيد في حال استهلاك هذا المشروب بشكل مفرط أو غير مدروس.
من جهتها، تعتبر مريمة لبيد، أخصائية الحمية والتغذية العلاجية، أن المشروب يحتوي على مكونات طبيعية وغير مصنعة، ولا يضم ملونات أو مواد حافظة، ما يجعله أقل ضررا نظريا.
وتقول في تصريح لـSNRTnews: "المشروب يحضر يدويا من مكونات طبيعية مثل عصير الحمضيات، لذلك يمكن أن يساهم في تعزيز الترطيب، وتقليل القلق، وتحسين النوم، بفضل المغنيسيوم".
وتشير إلى أن بعض الأشخاص الذين يعانون من انخفاض ضغط الدم أو الإرهاق في نهاية اليوم قد يشعرون بتحسن بسببه، خاصة أن فيتامين" سي" يدعم وظيفة الغدة الكظرية، وملح البحر يساعد في إعادة توازن السوائل.
لكنها تؤكد أن التحدي الأكبر يكمن في غياب المعرفة الدقيقة بمستوى الكورتيزول لدى الأفراد، إذ لا يمكن تحديد ما إذا كان مرتفعا أو منخفضا بدون اختبار طبي.
وتضيف أخصائية الحمية والتغذية العلاجية: "لا يمكن التوصية بهذا المشروب للجميع، لأن الإفراط في تناوله أو استخدامه دون وعي بالحالة الصحية قد يؤدي لمشاكل حقيقية، خاصة لدى من يعانون من الحساسية أو اضطرابات كامنة".
وتنصح بعدم استهلاك المشروب بشكل يومي، بل بدمج مكوناته بشكل طبيعي ضمن النظام الغذائي المتوازن، مشيرة إلى أن العناصر الغذائية المتوفرة فيه موجودة في الغذاء العادي بكميات كافية.
وتختتم لبيد بالتحذير من الانسياق وراء صيحات "الوصفات الصحية" على الإنترنت، قائلة: "نتلقى يوميا، مرضى يعانون من مشاكل صحية سببها اتباع وصفات متداولة على مواقع التواصل، دون التفكير في خصوصيتهم الصحية أو استشارة طبيب مختص، كما أن البعض ينسخ تجربة شخص آخر، وينسى أن لكل جسم خصوصيته وحاجاته".
وتشدد على أن مشروب "كوكتيل الكورتيزول" قد يبدو في ظاهره وصفة طبيعية وصحية، لكنه يعيد طرح إشكالية الثقة في المعلومات المتداولة عبر الإنترنت، خاصة عندما تتحول الصيحات الرقمية إلى بدائل غير مدروسة للعلاج الطبي.
مقالات ذات صلة
عالم
مجتمع
مجتمع
مجتمع