مجتمع
رحلة ما بعد التقاعد.. حين تصبح البادية حضنا لجيل جديد من المتقاعدين
06/11/2025 - 23:10
خولة ازنيزني
في خريف العمر، حين يطوي الإنسان سنوات طويلة من العمل والكد، ويسدل ستار حياته المهنية بالتقاعد، يسعى كل فرد إلى رسم مساره الخاص، بين من يختار الاستمرار في روتين المدينة، ومن يفضل فضاءات أكثر رحابة وسكينة، حيث الهواء النقي والطبيعة.
وضعية تبرز معها القرى والمدن الصغيرة، بعيدا عن كونها مجرد فضاءات للزيارة العابرة أو الاستجمام الصيفي، لتتحول إلى وجهة دائمة لفئة متزايدة من المتقاعدين، حيث يجدون فيها ما يفتقدونه في المدن؛ من بساطة العيش، وانخفاض التكاليف، وروابط اجتماعية أكثر دفئا. هكذا بدأت تتشكل ظاهرة جديدة يمكن اختصارها في عبارة "ثقافة التقاعد".
ويظهر هذا الواقع جليا في مختلف أنحاء المملكة، حيث أصبح من الشائع رؤية مساكن مشيدة وفق معايير العمارة الحديثة في البادية، في مشهد يتعارض مع النموذج التقليدي السائد في المناطق القروية.
يمثل مالكو هذه المساكن مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، مع قاسم مشترك يتمثل في الحاجة الملحة إلى الاستمتاع بالهدوء والفضاءات الواسعة، إضافة إلى العودة إلى الجذور في أرض الأجداد.
وهذه الفئة تمثل عموما الموظفين المتقاعدين، الذين يشعرون بعد مسار مهني طويل، وبعد أن كرسوا حياتهم لتربية وتمدرس أبنائهم، أنهم بحاجة إلى إحياء الروابط مع الطبيعة والعيش ببساطة.
في منطقة "مزامزة"، نواحي مدينة برشيد، يطل منزل حديث الطراز وسط بساتين الزيتون والرمان، حيث يقيم "محمد"، وهو موظف متقاعد، بعدما أنهى مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في الدار البيضاء.
يصف محمد، في حديثه لـSNRTnews، انتقاله إلى قريته بالقرار الأفضل في حياته، قائلا: "لطالما راودني حلم العودة إلى مسقط الرأس، لكنني كنت أنتظر اللحظة المناسبة لتحقيق تغيير جذري في نمط الحياة"، مضيفا: "بعد التقاعد، اتخذت من هذا المكان مقرا للإقامة لقضاء ما بقي من عمري."
ويؤكد أنه يمثل فئة مهمة من المتقاعدين الذين وجدوا في البادية وسيلة لإحياء الروابط مع الطبيعة والعيش ببساطة، بعيدا عن إكراهات الزمن في عالم يتغير بسرعة متناهية، مفضلين الانسحاب من متاهة المدن إلى فضاءات قروية تمنحهم شعورا بالحرية والتوازن.
وأضاف أن نمط حياته تغير جذريا، بعيدا عن الإيقاع المتسارع وأصوات السيارات وضجيج المدينة، مشيرا إلى أن صحته تحسنت بفضل ممارسة الرياضة، لافتا إلى أن الحياة في القرية أقل كلفة وتناسب معاش تقاعده.
نبيل الصافي: "ثقافة جديدة للتقاعد"
يرى الباحث السوسيولوجي نبيل الصافي أن انتقال المتقاعدين نحو القرى والمدن الصغيرة ليس مجرد صدفة، بل يعكس دينامية اجتماعية متنامية.
يقول الصافي، في حديثه لـSNRTnews: "الإنسان بطبعه كائن متحرك، لا يستقر إلا بالقدر الذي تفرضه عليه الظروف. وبعد التقاعد، يبحث عن فضاء يوفر له روابط اجتماعية محدودة ووضوحا في العلاقات، لهذا تمثل القرى ملاذا مثاليا."
ويضيف موضحا: "يمكننا اليوم الحديث عن ثقافة التقاعد، إذ لم يعد الأمر مجرد انتقال فردي، بل صار سلوكا اجتماعيا يعبر عن الحاجة إلى التوازن بين الإمكانيات المادية والراحة النفسية."
ويشير الباحث في علم الاجتماع إلى "وجود فئة تعيش تقاعدا مريحا تستثمره في السفر والأنشطة، وفئة أخرى تعيد ترتيب أولوياتها بسبب ضعف المعاش، فتجد في القرى حلا واقعيا لتخفيض تكاليف الحياة، لذا يمتلك الإنسان إمكانية العودة إلى مسقط رأسه أو إلى منطقة قليلة السكان، بحثا عن حياة اجتماعية بسيطة."
ويضيف الصافي أن هناك بعدا نفسيا مهما، فبعد التقاعد، لا يعود الإنسان قادرا على تحمل الدوامة التي تنتجها المدينة بفعل وتيرة العمل والمنافسة، فيتوجه إلى القرى بحثا عن طاقة جديدة تفتح له المجال لاكتشاف تفاصيل أخرى من الحياة، لاسيما من خلال خلق أنشطة جانبية للترفيه والاندماج في مجموعات جديدة.
كما يوضح أن الإمكانيات المادية تحدد بدورها نوعية التقاعد: فهناك من يعيش تقاعدا مريحا يتيح له السفر وتجربة أنشطة جديدة، وهناك من يفرض عليه ضعف المعاش إعادة ترتيب الأولويات.
في نفس السياق، أثبتت دراسات عديدة أن العيش قرب الطبيعة يخفف التوتر ويعزز الصحة، إذ أكد باحثون من جامعة فيينا، في دراسة نشرت بمجلة "نيتشر كوميونيكيشنز"، أن مجرد مشاهدة المناظر الطبيعية، حتى بشكل افتراضي، يقلل من الإحساس بالألم عبر التأثير على نشاط الدماغ.
كما ورد في تقرير نشرته مجلة "لا منتي إس مارافيوس" الإسبانية أن العيش في الريف يمنح صفاء ذهنيا، ويعزز التواصل المباشر مع الطبيعة والمجتمع، ويقلل من مشاعر العزلة والوحدة. ورغم محدودية الموارد وصعوبة الوصول إلى شبكة الإنترنت، فإن الحياة في هذه البيئة مفيدة من نواح عدة، مثل تعزيز العلاقات الشخصية والارتباط الوثيق بالطبيعة.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد
فن و ثقافة