اقتصاد
أنظمة التقاعد .. فجوة بين القطاعين العام والخاص وعجز مالي يهدد الاستدامة
09/08/2025 - 10:36
وئام فراج
كشفت دراسة منشورة في العدد الأخير لمجلة "Les cahiers du plan" التي تصدرها المندوبية السامية للتخطيط عن العديد من التحديات التي مازالت تواجه أنظمة التقاعد بالمغرب، خصوصا في سياق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية.
وأوضح الباحثون الذين ساهموا في تحليل وضعية نظام التقاعد أن تعدد الأنظمة (RCAR, CNSS, CMR) مع اختلاف في طرق التدبير والتمويل، يخلق تباينا في التغطية وجودة الخدمات.
شيخوخة متسارعة
وأشارت الدراسة التي أعدها أربعة أساتذة جامعيين واقتصاديين أن نسبة التغطية بالتقاعد سنة 2022 لم تتجاوز 46,7 في المائة من الساكنة النشيطة المصرح بها، فيما لا يحظى سوى 23,4 في المائة من الأشخاص في سن التقاعد بمعاش، وهو معدل يقل بكثير عن المتوسط العالمي البالغ 80 في المائة، ومتوسط دول شمال إفريقيا البالغ 55 في المائة.
كما سلطت أرقام الدراسة الضوء على شيخوخة متسارعة للسكان، إذ ارتفعت نسبة من هم في سن الستين فما فوق من 7 في المائة سنة 1960 إلى 13,8 في المائة في 2024، مع توقع بلوغها 27 في المائة في أفق 2060.
وانعكس هذا التحول مباشرة على المعامل الديموغرافي للأنظمة، حيث لم يعد يتجاوز منخرطين نشطين لكل متقاعد في النظامين العموميين (CMR وRCAR)، في حين يسجل نظام CNSS وضعا أفضل نسبيا لكنه يتجه بدوره نحو التراجع.
وانطلاقا من هذه النتائج، يتضح، وفق الدراسة، أن نظام التقاعد الأساسي في المغرب يعاني هشاشة مالية قد تشكل ضغطا كبيرا على المالية العمومية للدولة.
وتستدعي هذه الوضعية "الحرجة"، حسب المصدر ذاته، إصلاحات عاجلة لضمان الاستدامة المالية، خصوصا من خلال إعادة التوازن أو إدخال تصحيحات مثل تعديل تسعيرة الأنظمة بما يتماشى مع التطورات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
كما تتطلب دراسة إمكانية القيام بإصلاح هيكلي شامل يضمن التوازن على المديين المتوسط والبعيد، مع مراعاة التحول الديموغرافي الجاري والتطورات الاجتماعية والاقتصادية.
فجوة بين القطاعين العام والخاص
من جهة أخرى، رصدت الدراسة تسجيل فجوة كبيرة بين معاشات القطاعين العام والخاص، إذ يبلغ متوسط المعاش الشهري في الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) 8.208 دراهم، بينما لا يتجاوز 2.156 درهما في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، أي أقل من الحد الأدنى للأجر، وذلك نتيجة فروق في الأجور المصرح بها، وقواعد الاحتساب، وسقف الاشتراكات المحدد في 6.000 درهم شهريا في القطاع الخاص مقابل عدم وجود سقف في القطاع العام.
أما على المستوى المالي، فقد دخل نظام التقاعد المدني لـCMR في عجز منذ 2015، في حين بدأ كل من CNSS وRCAR في تسجيل عجز تقني سنة 2023. وتصل الالتزامات غير الممولة (الدين الضمني) إلى 898 مليار درهم، أي ما يعادل 69 في المائة من الناتج الداخلي الخام، منها 573 مليار درهم تخص CNSS وحده.
ويرجع التقرير هذه الوضعية إلى عدة عوامل، من بينها التحولات الديموغرافية، وأسلوب تدبير احتياطات الصناديق الذي لا يأخذ بعين الاعتبار المخاطر الكبرى المحتملة.
وفي ما يخص الإصلاح، يقترح الخبراء إعادة هيكلة النظام نحو صيغة ثنائية (قطب عام وقطب خاص) أو التوجه نحو نظام موحد، مع إمكانية تبني نظام بالنقاط أو حسابات افتراضية لضمان استدامة التمويل، بالإضافة إلى تعزيز الحوكمة، وإحداث صناديق تقاعد مهنية تكميلية (FRPS) لرفع المعاشات وتحفيز الادخار الطويل الأمد، إلى جانب إدماج العمال المستقلين بشكل إجباري ابتداء من 2025.
وأكدوا أن هذه الدراسة لا تعرض سوى جزءً أوليا من الأبحاث حول إشكالية إصلاح أنظمة التقاعد في البلاد، وبالأخص نظام العاملين الأجراء، فيما تتمثل الطموحات في اقتراح تدابير تقنية ملموسة، تُترجم المبادئ العامة للإصلاح إلى إجراءات عملية وحلول للتنفيذ، مع مراعاة كل من متطلبات الاستدامة المالية لأنظمة التقاعد، والدور الرئيسي لهذه الأنظمة في الحماية من الفقر في مرحلة الشيخوخة وضمان دخل كريم للسكان المسنين.
وخلص المشرفون على الدراسة إلى أن تأجيل الإصلاح سيؤدي إلى تفاقم العجز وارتفاع الضغط على المالية العمومية، داعين إلى تسريع وتيرة التغييرات الهيكلية وضمان قبولها اجتماعيا، بما يحافظ على الهدف الأساسي لأنظمة التقاعد والذي يتجلى في حماية كبار السن من الفقر وضمان دخل كريم لهم.
يشار إلى أن هذه الدراسة قام بإعدادها أربعة أساتذة مختصين؛ ويتعلق الأمر بالأستاذتين بجامعة ابن طفيل أسماء العنبري ومريم لواء الدين، والأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية سعيد حنشان، فضلا عن الباحث والاقتصادي والأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية محمد عمراني.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
اقتصاد
مجتمع