فن وثقافة
متحف دار المعرفة بأوزود.. منارة ثقافية تروي ذاكرة الأطلس
01/10/2025 - 18:01
محمد شافعي | خولة ازنيزنيفي قلب أوزود، ينتصب متحف "دار المعرفة" كمعلمة ثقافية، تنسج خيوط الماضي بالحاضر، وتفتح للزائر أبواب التاريخ والتراث الأمازيغي في أبهى تجلياته. هذا الفضاء، الذي أحدثته مؤسسة صوت الجبل للتراث والتنمية المستدامة، لا يقتصر على حفظ الذاكرة الجماعية باعتباره متحفا إثنوغرافيا، بل يقدم رحلة بصرية ومعرفية تكشف المكونات الجيولوجية والحضارية للمنطقة، وتستحضر تفاصيل الحياة اليومية لسكان الأطلس، من الزراعة والنسج إلى الطقوس الاحتفالية والفنون الشعبية، ليصبح المتحف بمثابة مرآة تعكس تنوع الهوية وعمقها المتجذر في جبال الأطلس.
في جولة بين أروقته، خصصها مهرجان سينما الجبل في دورته الثالثة لسينمائيين ومنتجين وباحثين، قدمت بهيجة سيمو، رئيسة مؤسسة صوت الجبل، شروحات حول فلسفة هذا المشروع الثقافي.
وقالت سيمو، في تصريحها لـSNRTnews، إن “دار المعرفة هو أول متحف إثنوغرافي بالمنطقة، يجمع بين المكتبة والرواق الفني، ويشكل منارة لتعريف الزوار بمقومات الأطلس ومكانته في تاريخ المغرب”.
وأضافت سيمو أن المؤسسة حرصت منذ البداية على أن يكون المتحف أكثر من مجرد فضاء للعرض، ليكون أداة للتربية والتوعية، معتبرة أن إبراز التراث الأمازيغي الأطلسي هو تأكيد على التعدد والتنوع الذي يشكل الهوية المغربية، وعنصر من عناصر الانتماء والاعتزاز، ورافعة لجلب السياح والمساهمة في التنمية المحلية.
وتابعت موضحة: "الغاية من المتحف ليست جمع التراث فقط، بل جعله حيا ومتاحا للساكنة والزوار من المغرب والخارج، حتى يدرك الجميع أدوار هذه المنطقة في تاريخ الدولة المغربية، ومشاركتها في القضايا الوطنية الكبرى. لذلك، بني المتحف وفق سينوغرافيا حديثة تسعى إلى خلق رحلة زمنية من الماضي نحو الحاضر".
المتحف، الذي يضم قاعات متعددة، يأخذ الزائر في مسار معرفي متنوع: من المكونات الجيولوجية للمنطقة ومغاراتها الشهيرة مثل إيمينفري وكويستا آيت اعتاب، إلى شلالات أوزود وأثر الديناصورات، ثم إلى تفاصيل الحياة اليومية لسكان الأطلس عبر الزراعة، وعصر الزيتون، والنسيج، والبناء التقليدي.
كما يعرض قطعا من الألبسة التقليدية للرجال والنساء، سواء للاستعمال اليومي أو المناسبات، إلى جانب صناديق خشبية مزينة، ومجوهرات نسائية وأدوات زينة ووسائل فرجة شعبية.
وتولي "دار المعرفة" أهمية خاصة لدور المرأة، من خلال إبراز ارتباطها بالماء باعتباره مصدرا للحياة، وعرض أدواتها اليومية كالمرآة والمشط وحافظات الكحل، فضلا عن عرض رموز الوشم التقليدي باعتباره شكلا جماليا وذاكرة بصرية توارثتها الأجيال.
ولم يغفل المتحف دور المنطقة في الأحداث الوطنية والدولية، حيث استحضر مشاركة أبناء أزيلال في الحربين العالميتين الأولى والثانية، استجابة للنداءات السلطانية، إلى جانب مساهمتهم في المقاومة الوطنية، وثورة الملك والشعب، والمسيرة الخضراء.
ويقف المعرض أيضا عند فنون الفرجة مثل التبوريدة بما تحمله من دلالات عسكرية وتاريخية، إلى جانب فنون أحيدوس التي تعكس روح التضامن والتلاحم في الجبال.
وتنقل الزائر القاعات إلى طقوس الاستقبال والاحتفالات المرتبطة بالزواج والولادة والختان، وكذلك أجواء المدارس القرآنية وختم القرآن الكريم.
أما الجانب الروحي، فقد حضر بقوة من خلال إبراز ارتباط ساكنة الأطلس بنظم الدولة المغربية القائمة على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، إذ يعرض المتحف وثائق وصورا للبيعات السلطانية، ومخطوطات مثل "دلائل الخيرات" و"ذخيرة المحتاج"، إلى جانب صور الزوايا التاريخية البارزة كزاوية تانغملت، وأحنصال، والزاوية الشرقاوية. وتشرح السينوغرافيا كيف جسدت الخرجة السلطانية هذه الرمزية، من خلال الخيل والمظلة واللباس التقليدي، باعتبارها علامات دينية وسياسية وثقافية متجذرة.
كما خصص فضاء واسع للخيل، رمز القوة والدفاع والفرجة، وموضوع إبداع في الشعر الملحون والأمثال الشعبية، فضلا عن حضوره في الدبلوماسية، حيث استهوى الحصان ريشة الفنانين المغاربة والمستشرقين على حد سواء.
الزيارة، التي نظمت ضمن فعاليات المهرجان الدولي لسينما الجبل (26 ـ 30 شتنبر 2025)، جاءت لتؤكد التكامل بين السينما والتراث في بناء صورة حديثة عن الجبل المغربي. فبحسب المنظمين، يسعى المهرجان إلى إدماج جهة بني ملال ـ خنيفرة، وخاصة إقليم أزيلال، في دينامية إيجابية، باستخدام السينما كرافعة اقتصادية وثقافية.
وقد تضمنت برمجة الدورة الثالثة مسابقة رسمية لتسعة أفلام، وعروضا في الهواء الطلق بالساحة العامة لأوزود، ولقاءات وندوات أطرها مخرجون ومهنيون بارزون.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
مجتمع
فن و ثقافة