اقتصاد
الهجرة الداخلية بالمغرب .. القرى تفقد 4 ملايين نسمة لصالح المدن
27/10/2025 - 14:50
مراد كراخي
تكشف معطيات الهجرة الداخلية بالمغرب عن نموذج تنموي غير متوازن، ما يستدعي إعادة توجيه السياسات العمومية الترابية، بطريقة تهدف إلى توزيع متوازن للسكان وفرص التنمية.
سجل تقرير حديث أن الهجرة الداخلية لازالت تشكل ظاهرة بنيوية في الدينامية الديموغرافية بالمغرب، وأحد المحركات الأساسية لإعادة توزيع السكان بين الجهات، في ظل استمرار الفوارق الترابية بين المراكز الحضرية والجهات الداخلية.
وأفاد التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط بناء على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن ملامح جديدة للهجرة الداخلية في المغرب، والتي عرفها بأنها "انتقال شخص من جماعة ترابية إلى أخرى لمدة لا تقل عن ستة أشهر".
وبينت معطيات الإحصاء أن نحو 59,7 في المائة من المغاربة يعيشون في الجماعة التي وُلدوا فيها، مقابل 39,6 في المائة انتقلوا مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم داخل التراب الوطني.
النساء في صدارة الهجرة الداخلية
من أبرز ما سجله الإحصاء هو تزايد حضور النساء ضمن المهاجرين الداخليين، إذ يمثلن أكثر من نصفهم، (%43,7 للنساء مقابل 35,5% للرجال)، ما يعكس تحولا في أنماط السلوك الاجتماعي والاقتصادي، وتنامي مشاركة النساء في سوق العمل والتعليم، إلى جانب الدوافع العائلية كعامل أساسي في قرار الهجرة.
كما أظهرت البيانات أن وتيرة التنقل السكاني تباطأت نسبيا خلال السنوات العشر الأخيرة، لكنها ظلت محافظة على زخمها داخل الأوساط الحضرية، التي تستقطب الجزء الأكبر من التحركات السكانية.
المدن الكبرى في قلب الجاذبية
تُظهر نتائج الإحصاء أن الهجرة بين المدن تمثل نحو نصف مجموع الهجرات الداخلية، ما يؤكد الجاذبية المتزايدة للمراكز الحضرية الكبرى، خصوصا من حيث فرص الشغل، والولوج إلى الخدمات، وتحسين ظروف العيش.
وتتصدر جهات الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، وطنجة–تطوان–الحسيمة قائمة الوجهات الأكثر استقطابا للسكان، بفضل تمركز البنيات التحتية الاقتصادية والإدارية بها، وارتفاع قدرتها على الاحتفاظ بسكانها الأصليين واستقبال وافدين جدد.
في المقابل، تعرف جهات مراكش–آسفي، وفاس–مكناس، وبني ملال–خنيفرة، ودرعة–تافيلالت معدلات مرتفعة للهجرة نحو الجهات الحضرية الكبرى، ما يعكس محدودية الفرص الاقتصادية والتنموية فيها، ويؤدي إلى عجز ديموغرافي.
استمرار النزوح القروي
سجل التقرير أن الهجرة من القرى نحو المدن لا تزال تشكل نحو ثلث التنقلات الداخلية، مدفوعة بالرغبة في تحسين مستوى العيش والولوج إلى التعليم والخدمات. أما الانتقال من المدن إلى القرى فيبقى محدودا، وغالبا ما يرتبط بالتقاعد أو بالعودة إلى الأصل العائلي.
ولاحظت المندوبية أن الرصيد الديموغرافي للعالم القروي سلبي، إذ فقد نحو أربعة ملايين نسمة لصالح المدن، ما يعكس اتساع الفوارق في الجاذبية الترابية، ويؤكد هيمنة النمو الحضري على المشهد الديموغرافي الوطني.
الجنوب يتحول إلى أقطاب جديدة
في الوقت نفسه، تشير المعطيات إلى بروز أقطاب جديدة للهجرة في الأقاليم الجنوبية، مثل العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب، التي تعرف مؤشرات دخول مرتفعة، تجاوزت 60 في المائة في بعض الحالات، بفضل الاستثمارات الكبرى ومشاريع البنيات التحتية، ما منحها قدرة متزايدة على استقطاب اليد العاملة من مناطق أخرى.
الحاجة إلى سياسات ترابية منصفة
توضح الدراسة أن الهجرة الداخلية تعمل كآلية لإعادة توزيع السكان، لكنها في الآن نفسه تكشف عن نموذج تنموي غير متوازن، حيث تتركز فرص العمل والنمو في عدد محدود من الجهات الساحلية، مقابل ضعف جاذبية المناطق الداخلية.
ففي حين سجلت جهات الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة فوائض مهاجرين تجاوزت 800 و480 ألف نسمة على التوالي، فقد خسرت جهات مثل مراكش–آسفي ودرعة–تافيلالت أكثر من 700 ألف نسمة لكل منهما.
هذه الفوارق، كما تحذر المندوبية، تستدعي إعادة التفكير في السياسات العمومية الترابية، بما يضمن توزيعا متوازنا للسكان وفرص التنمية، وتحفيز الاستثمارات في الجهات الأقل استقطابا، لتفادي تعميق الفجوات الاجتماعية والمجالية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد