مجتمع
قرار فرنسي يُربك مراكز النداء بالمغرب
29/10/2025 - 10:33
يونس أباعلي
أثار قرار فرنسي يحظر التسويق الهاتفي غير المرغوب فيه، انطلاقا من صيف 2026، قلق مراكز النداء بالمغرب. هذا القانون يفرض الحصول على موافقة مسبقة من المستهلك قبل إجراء أي مكالمات تسويقية، تحت طائلة عقوبات وغرامات، ما قد يؤدي إلى تقليص نشاط شركات في الوقت الذي تعاني فيه من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقوم بأكثر من مهمة في هذا القطاع.
وأكد مهنيون أن هذا القرار سيقلب قاعدة العمل في قطاع التسويق الهاتفي، منتقلا من نظام "اختيار الخروج" (opt-out) إلى نظام الموافقة المسبقة (opt-in)، أي أنه لا يمكن لأي شركة الاتصال بالمستهلك إلا إذا عبّر مسبقا عن موافقته الصريحة على تلقي مكالمات تجارية.
غرامات على المخالفين
وبحسب تقارير صحفية فرنسية عديدة، هذا القرار جاء بعد سنوات من الشكايات، إذ أظهرت إحصائيات أن نحو 97 % من الفرنسيين يشتكون من المكالمات التسويقية العشوائية، خصوصا أن كثيرا منها ترتبط بعمليات احتيال أو عروض تجارية مضللة.
ورغم محاولات سابقة لتنظيم هذا النشاط، مثل إنشاء قائمة سنة 2016 للسماح للمستهلكين بإدراج أرقامهم في لائحة "عدم الاتصال"، أو تحديد أوقات الاتصال، إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية للحد من الظاهرة، كما تشير إلى ذلك هذه التقارير الفرنسية.
وإضافة إلى الحظر، طبّق المُشرع الفرنسي عقوبات على المخالفين، إذ يمكن أن تصل الغرامات إلى 500 ألف أورو والسجن لمدة خمس سنوات في حالة استغلال الأشخاص، خصوصا كبار السن منهم. وتم تكليف مؤسسات بمراقبة التطبيق الصارم للقانون.
وحسب تقديرات مهنية، فنحو 80 في المائة من نشاط مراكز النداء بالمغرب موجه نحو السوق الفرنسية. ومع دخول القانون حيز التنفيذ في صيف 2026، ستكون هذه المراكز مطالبة بتغيير جذري في نموذجها التجاري، لأن أي اتصال بمستهلك فرنسي دون موافقة مسبقة سيُعتبر خرقا للقانون الفرنسي، حتى لو تم من خارج فرنسا.
ضرورة المراجعة
على عكس القوانين الفرنسية، يقتصر التأطير القانوني في المغرب على أحكام عامة واردة في قانون حماية المستهلك، أساسا، دون نصوص تفصيلية حول التسويق الهاتفي أو الموافقة المسبقة.
ولفت مهنيون إلى أن هذا الفراغ التشريعي يجعل المراكز المغربية تقتصر على التزامات تعاقدية مع الشركاء الفرنسيين.
في هذا الصدد، أعرب أيوب سعود، الكاتب العام للجامعة الوطنية لمستخدمي وأطر مراكز النداء ومهن الأوفشورينغ، عن قلقه البالغ إزاء القرار الفرنسي الجديد، مؤكدا أنه يشكل تهديدا مباشرا لمئات الوظائف بالمغرب، سواء بين القائمين على عمليات الاتصال الهاتفي، أو بين العمال غير المباشرين الذين يعملون في خدمات المحاسبة، والحراسة، والنظافة.
وقال سعود، ضمن تصريح لـSNRTnews، إن قطاع الخدمات الافتراضية وخاصة مراكز النداء يحتاج إلى مراجعة حكومية عميقة، مضيفا أن "القانون الفرنسي، إلى جانب التطور السريع للذكاء الاصطناعي، يهددان مناصب الشغل بشكل مباشر، وهو ما بدأنا نلمسه فعليا، لأن شركات كبرى في المغرب شرعت في تسريح عدد من الأجراء".
ويرى أنه يتوجب على المسؤولين الحكوميين والوكالة الوطنية لإنعاش الاستثمار ووزارة الاقتصاد الرقمي أن يتخذوا إجراءات استباقية، بدءا بإحصاء عدد المناصب ومراكز النداء. وفي هذا الصدد، شدد على أن عدد مراكز الاتصال غير محدد بدقة، وعدد منها لا يتوفر حتى على تصريح بالعمل من الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مضيفا أن غياب الإحصاءات والمواكبة خلق نوعا من الفوضى في القطاع.
خطط بديلة
من جهته، أشار محمد البقالي، مدير عمليات في إحدى مراكز الاتصال بالدار البيضاء، إلى أن "القانون الجديد سيجبرنا على إعادة هيكلة كاملة لعملياتنا"، مبرزا أن "الأثر لا يقتصر على العاملين بقسم المبيعات المباشر، بل يشمل أيضا فرق الدعم الفني، الموارد البشرية، المحاسبة، واللوجستيك، بالإضافة إلى العمال غير المباشرين مثل حراس الأمن ومستخدمي النظافة".
وقال لـSNRTnews إن "كل الوظائف مرتبطة بالنشاط نفسه، وأي تأثير على عمليات الاتصال الهاتفي سينعكس على جميع مستويات الشركة، لذلك يجب التفكير في حلول شاملة".
وأشار إلى أن الشركة التي يعمل بها بدأت في وضع خطط بديلة لمواجهة التغييرات، من خلال تنويع الخدمات لتشمل خدمة العملاء الواردة والدعم الفني، وتدريب العاملين على مهارات جديدة، بما في ذلك التعامل مع أنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM) وتقديم خدمات رقمية، وتطوير البنية التقنية لضمان قدرة الفريق على التكيف مع الطلبات المختلفة من السوق الفرنسية، بما يتماشى مع قوانين حماية المستهلك.
واستدرك قائلا "لكن التحول ليس سهلا، فهو يتطلب استثمارات كبيرة في الموارد البشرية والتقنيات، ويستغرق وقتا قبل أن نتمكن من تعويض الوظائف المهددة. هناك شعور بالقلق بين المستخدمين، فالكثيرون يعتمدون على هذا العمل كمصدر دخل رئيسي، وأي تقليص سيؤثر مباشرة على حياتهم".
وأكد في ختام حديثه على أهمية تدخل الحكومة لدعم القطاع عبر توفير إحصاءات دقيقة، ووضع آليات تنظيمية تساعد مراكز الاتصال على التكيف مع التشريعات الأجنبية، قائلا "نحتاج إلى قاعدة بيانات رسمية لمراكز الاتصال، وتوجيهات واضحة من السلطات لتجنب الفوضى وحماية آلاف الوظائف. القطاع بحاجة إلى إطار تنظيمي مرن يواكب التطورات الدولية".
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
مجتمع
اقتصاد
تكنولوجيا