فن وثقافة
فيلم "الست" للمخرج مروان حامد.. أم كلثوم في امتحان السينما
03/12/2025 - 15:19
جمال الخنوسيكتب ميلان كونديرا في روايته "كائن لا تحتمل خفته" عن العود الأبدي كفكرة غامضة جدا، وضع بها نيتشه كثيرا من الفلاسفة في حرج: أن نتخيل أن يوما ما سيعاد كل شيء كما عشناه من قبل، وأن هذا التكرار نفسه سيعود ويتكرر إلى ما لا نهاية! فكرة مفزعة ستجعل حتما الأحداث الكبرى والشخصيات العظيمة تفقد قيمتها.
ماذا لو حدثت الثورة الفرنسية عشرات المرات؟ ماذا لو كان لدينا المئات من أم كلثوم؟ لنقتبس من كلمات كونديرا ونقول: ثمة فرق شاسع بين أم كلثوم التي مرت في التاريخ مرة واحدة، كمعجزة لا تتكرر، وبين أم كلثوم تعود كل مدة بلا توقف. ولأننا هنا أمام معجزة اسمها كوكب الشرق، فمن حقنا أن نتساءل هل يمكن إنتاج فيلم عن المعجزة؟ هل يمكن الإحاطة بأسطورة في فيلم سينمائي؟
يمثل فيلم "الست"، أحد أكثر مشاريع السينما المصرية انتظارا خلال السنوات الأخيرة، وانفراد المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته الـ22 "ضربة معلم" وإنجاز يرفع من قيمة مهرجان ينافس الكبار. ليس فقط لأنه يستعيد سيرة أم كلثوم، بل لأنه يجمع طاقما يختبر حدود الحكاية التاريخية وقدرة السينما على ملامسة "الأسطورة" دون أن تفقد بعدها الإنساني. حيث يقف وراء العمل المخرج مروان حامد، المعروف ببنائه البصري الكثيف (عمارة يعقوبيان)، بينما يقدم أحمد مراد سيناريو يحاول تفكيك شخصية يتشابك فيها الفن بالسياسة والذاكرة بالصوت. وتؤدي منى زكي الدور الرئيسي في تحد تمثيلي نادر.
من جهة أخرى، أنتج الفيلم بشراكة بين الشركة المتحدة للإنتاج السينمائي وصندوق بيغ تايم، في محاولة لخلق مشروع ضخم يليق بسيرة لها مكانة تتجاوز الفن نفسه. وقد قدمت عينة مدتها 18 دقيقة خلال الدورة الماضية من ورشات الأطلس (2024)، حيث أثارت الاهتمام باعتبارها وعدا بمغامرة سينمائية تحاول أن تبتعد عن التوثيق الخالص دون أن تنفصل عن جذوره.
يبدأ الفيلم من هذه الفجوة. فبدلا من تقديم "أسطورة قابلة للمشاهدة"، يعلن مروان حامد، منذ اللقطة الأولى -حفل الأولمبيا الشهير في باريس-، عن نواياه. اختياره أن يبدأ من لحظة تقع في قلب المخيلة الجماعية ليس رغبة في التوثيق، بل في وضع المشاهد أمام المفارقة: كيف يمكن لصوت خرج من دلتا النيل أن يهز أحد أعرق مسارح العالم؟ لا يجيب الفيلم مباشرة، لكنه يمرر السؤال داخل الصورة. وفي هذا الافتتاح، يبدأ الجوهر الدرامي: مواجهة بين امرأة تشكلت في الهامش وأسطورة تربعت على عرش قلوب الملايين حول العالم.
ومنذ المشاهد الأولى في القرية، يبني الفيلم مناخا بصريا يشي أكثر مما يعلن: الحقول، وبيوت الطين، والضوء الخافت لا تقدم كتزيين مكاني، بل كخريطة شعورية. الكاميرا تتراجع تارة وتتقدم تارة، كأنها تحاول الإمساك بحركة صوت ينمو. في واحدة من أجمل لحظات الافتتاح، تقترب العدسة من وجه الطفلة وهي تغني متنكرة في هيئة صبي؛ لا كفعل تمثيلي بل كتمزق داخلي يمهد لذاك التوتر الذي سيلازم أم كلثوم طوال حياتها: صوت أكبر من الجسد الذي يحمله.
أما عندما ينتقل الفيلم إلى القاهرة، فسيتبدل الإيقاع بصريا. المدينة تصور بوصفها مختبرا لا فضاء تاريخيا. الإضاءة أكثر سطوعا، لا لأنها تلمع صورة المرحلة، بل لأنها تعري هشاشة البطلة وهي تخطو نحو عالم جديد. هنا تصبح الكاميرا أقل اهتزازا، وأكثر حرصا على إبراز تضاد أساسي: امرأة تحاول أن تجد صوتها في مدينة لا تكف عن إعادة تشكيلها. ويتعامل مروان حامد هنا مع القاهرة كما تعامل أنطونيوني مع المدن الحديثة: مكان ليس لإيواء الشخصيات، بل لتعميق وحدتها.
في هذا القسم من الفيلم، يتقاطع الشكل مع المضمون بشكل لافت. فالصراع بين التقليد والحداثة -بين الانشاد الديني والاغنية الحديثة- لا يروى عبر الحوار، بقدر ما يكرس في المونتاج. التقطيع بين الحفلات والمشاهد الخاصة يعيد المتفرج إلى فكرة أن السيرة ليست خطا زمنيا، بل دوائر تتداخل: كل خطوة نحو المجد تحمل معها ارتدادات نحو الماضي. ومع ظهور البعد السياسي في حياة أم كلثوم، يتخذ الفيلم منحى أكثر تركيبا، فهو لا يقدمها كأداة في يد المشروع القومي، ولا كمعارضة له، بل كصوت صار في لحظة ما أكبر من الدولة ذاتها. هنا ينجح السيناريو في تجنب المباشرة: لا شعارات، لا خطب، بل حضور ثقيل لصوت يملأ التاريخ.
وقد تمكن مروان حامد من إعطاء حيز كبير للبعد الاجتماعي والنسوي في الفيلم بطريقة ذكية؛ إذ يظهر "نضال" أم كلثوم من خلال أفعالها، لا من خلال الخطابات. فتتمسك بكرامتها واستقلاليتها، وتفرض شروطها الفنية دون صدام صريح، وهو ما يجعل صورتها نسوية بطابع تاريخي لا تنظيري؛ إذ يلتقط الفيلم هذه الملامح بدقة: امرأة تكسر القواعد دون أن ترفع شعارا، وتعيد تعريف مكانة الفنانة في مجتمع تهيمن عليه الذكورية.
النقلة التقنية الأبرز في الفيلم هي التناوب بين الأبيض-الأسود والألوان؛ إذ لا يستخدم الأبيض والأسود كاستعادة "أرشيفية"، بل كبوابة، وبعد زمني. في المقابل، تأتي الألوان كحياة مضافة، كأن الفيلم يقول: "هذه ليست أم كلثوم التي عرفتموها، بل ما يمكن أن تعنيه اليوم". في بعض اللحظات، يدخل اللون كما لو أنه "اهتزاز"، كما لو أنه تردد صوتي يتسلل إلى الصورة. هذا اللعب بين الزمنين يمنح الفيلم بعدا تأمليا.
من الناحية التمثيلية، تقدم منى زكي أداء يفضل التأويل على المحاكاة؛ إذ لم تحاول "أن تكون" أم كلثوم، بل أن تؤدي إمكانية من إمكانياتها. وهذا خيار ذكي لأنه يحرر الفيلم من فخ التقليد، ويمنح الشخصية مساحتها الإنسانية التي كان السيناريو يلمح إليها دون أن يصرح. فمنى زكي لا تقلد الالتفاتة أو طريقة الإمساك بالمنديل، بل تقلد الثقل الداخلي للمرأة التي تعيش بين صوت خارق وجسد هش.
لكن الفيلم -رغم كل هذا- ليس بلا مشاكل. فهناك أحيانا شعور بأن المخرج متردد، وأن الرهبة من الاقتراب تؤدي إلى ابتعاد مبالغ فيه. وهذا ليس نقصا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمعالجة شخصية بحجم أم كلثوم. ومع ذلك، ينجح الفيلم في تقديم قراءة جديدة: السيرة ليست إعادة سرد، بل طريقة في النظر إلى الشخصية الرئيسية. فأم كلثوم ليست حدثا تاريخيا، بل تجربة حسية. والفيلم، بهذا المعنى، لا يحاول امتلاك الأسطورة، بل يحاول الاقتراب منها بهدوء.
هنا سنجيب عن السؤال الذي طرحناه في البداية: تكمن قوة فيلم "الست" في هذه المسافة، المسافة بين السينما والذاكرة، بين الصورة والصوت، بين الأسطورة والإنسان. ولم يكن مطلوبا من الفيلم أن "يعيد" أم كلثوم، فذلك مستحيل. المطلوب هو أن يقدم طريقة جديدة لسماعها، ولرؤية الصمت بين نبراتها. وهذا ما نجح فيه: ففيلم "الست" يمنحنا فرصة لنفكر لا في أم كلثوم فقط، بل في تفاصيل الأسطورة برمتها.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة