مجتمع
من تتبع المشاريع إلى قياس الأثر.. المغرب يغيّر مقاربة تقييم محاربة الفساد
25/11/2025 - 15:41
يونس أباعلي
تم اليوم الثلاثاء 25 نونبر 2025 الإعلان عن مضامين مشروع دليل وطني لتقييم الأثر، وهو ثمرة شراكة بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس أوروبا، تؤكد الهيئة أنه ينضبط لمنهجية علمية متقدمة وبكفاية تتوافق مع المعايير الأوروبية في مجال تقييم السياسات العمومية.
مع اقتراب عرض تقييمها النهائي للاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2015–2025)، وتقديمها استراتيجيتها 2025-2030 في الأيام المقبلة، أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مشروع دليل وطني، تؤكد أنه مشروع ببعد استراتيجي، يسعى إلى مراقبة السياسات عبر تفكيك ومعرفة كيف تتشكل؟ كيف تعمل؟ أين تتوقف؟ وكيف يمكن إعادة بنائها لضمان أثر واضح ومقنع وقابل للقياس؟
وتعتبر الهيئة أنه حان الوقت لـ"الانتقال من رصد الجهود إلى قياس النتائج، ومن الحديث عن البرامج إلى مساءلة أثرها، ومن التركيز على ما قمنا به إلى التركيز علىما تغير فعلا في الواقع".
غياب منظومة تقييم
أوضح مدير مرصد الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أمين البصري، أن مشروع الدليل سيظل مفتوحا على الإغناء والتطوير بما يجعله إطارا عمليا مشتركا بين مختلف الفاعلين الوطنيين.
وأكد، في تصريحه لـSNRTnews خلال اللقاء الدراسي الذي عقدته لإعلان إطلاق مشروع الدليل، أن الحاجة إلى هذا الدليل تنبثق من التحولات المؤسسية التي يعرفها مجال الوقاية من الفساد ومحاربته بالمغرب، ومن أحكام القانون 46.19 الذي أسند للهيئة مهمة محورية تتمثل في تتبع وتقييم فعالية وأثر الاستراتيجيات العمومية في هذا المجال.
وأبرز أنه مع اقتراب استكمال تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2015–2025)، برزت بوضوح محدودية بعض آليات التتبع المعتمدة في السابق، والتي ركزت أساسا على رصد تقدم المشاريع دون تقييم منهجي للأثر الحقيقي على الممارسات والسلوكيات والمؤسسات.
ويؤكد أمين البصري أن التحليلات أظهرت غياب منظومة تقييم مبنية على مؤشرات مرجعية منذ مرحلة التصميم، وهو ما لم يسمح بقياس التأثيرات بشكل دقيق، الأمر الذي دفع الهيئة إلى تطوير إطار مرجعي ومنهجي يساعد على إدماج البعد التقييمي في كل برامج الاستراتيجية المقبلة، منذ لحظة التخطيط وليس بعد التنفيذ.
وتابع أن مسار إعداد هذا الدليل اعتمد على مجموعة من المراحل العلمية والمؤسسية. فقد شرع فريق المرصد أولا في إنجاز تقرير شامل حول تجارب تقييم الأثر على المستويين الوطني والدولي، يضم تحليلا للمنهجيات الرائدة، ورصدا للثغرات القائمة، واقتراحا لمدخلات ملائمة للسياق المغربي.
وتم عرض هذا التقرير على خبراء مجلس أوروبا الذين قاموا بإغناء مضمونه بملاحظاتهم التقنية، مما أفضى إلى صياغة تقرير نهائي. وبعدها تم تعميق هذا العمل من خلال إنجاز تقرير مقارن من طرف خبراء المجلس، تضمّن دروسا مستخلصة من تجارب دولية متقدمة. وشكّلت هذه المراجع مجتمعة الأساس العلمي الذي اعتمدته الهيئة لصياغة النسخة الأولية للدليل الوطني لتقييم الأثر.
وأكد أن هذا الدليل لا يقتصر على تقديم إطار مفاهيمي فقط، بل يقترح منظومة متكاملة تشمل الأسس المرجعية، وأنواع التقييم، ومنهجيات القياس، وآليات بناء المؤشرات، وتموقع نظرية التغيير كأداة مركزية لربط الإصلاحات بالنتائج الملموسة.
كما يهدف إلى الانتقال من منطق "تتبع المشاريع والأنشطة" إلى منطق "قياس الأثر الفعلي والحقيقي"، انسجاما مع التوجهات الوطنية ومعايير الهيئات الدولية، بما في ذلك توصيات مجلس أوروبا، ومعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، والالتزامات المرتبطة بالاتفاقيات الدولية.
وتؤكد الهيئة أن مشروع الدليل يعد نقطة انطلاق نحو صياغة مرجع وطني متوافق عليه، يتم إغناؤه من خلال النقاشات والملاحظات العملية للقطاعات والهيئات المشاركة في هذا اللقاء.
وتتعهد الهيئة بتطوير هذا الدليل ليصبح مرجعا عمليا يُعتمد عليه في تصميم وتفعيل وتقييم الاستراتيجيات المقبلة لمحاربة الفساد، بما يعزز مسار الإصلاح ويجعل الأثر ملموسا لدى المواطن.
منهجيات الدليل
قدّم الحسين فاتحي، مكلف بالدراسات والأبحاث في مرصد الهيئة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة ومحاربتها، عرضا علميا تناول فيه منهجيات تقييم الأثر، وذلك في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز فعالية السياسات العمومية وربطها بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
وأوضح في عرضه أن تقييم الأثر لم يعد مجرد ممارسة تقنية محدودة، بل أصبح اليوم وظيفة استراتيجية ضرورية لضمان شفافية العمل العمومي ورفع جودة القرارات الحكومية. فالتقييم العلمي، كما يؤكد المتحدث، يمكّن من تحديد ما الذي نجح بالفعل، ولماذا نجح؟، وكيف يمكن تطوير السياسات لتصبح أكثر نجاعة.
وتطرق العرض إلى ثلاث فئات أساسية من المنهجيات المعتمدة دوليا، أولها المنهجيات الكمية التي تعتمد على القياس الموضوعي وفهم العلاقات السببية، مثل التجارب العشوائية، ومنهجية الفرق في الفرق، والانحدار عند نقاط القطع. وقدم المتدخل أمثلة عملية مستوحاة من الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، من بينها تقييم أثر رقمنة الخدمات الإدارية على الحد من الرشوة، وقياس تأثير إدماج قيم النزاهة في المناهج الدراسية.
أما الفئة الثانية، وهي المنهجيات النوعية، فتهدف إلى الفهم العميق لتجارب الفاعلين وآرائهم والظروف التي تفسر نتائج السياسات. وتشمل هذه الفئة المقابلات شبه الموجهة، ودراسات الحالة، وتتبع مسار السياسات، وهي أدوات أساسية لفهم كيفية حدوث التغيير على أرض الواقع، وليس فقط ما إذا كان قد حدث.
وتتميز الفئة الثالثة، وهي المنهجيات المختلطة، بكونها تجمع بين مزايا التحليل الكمي والنوعي، مما يسمح برؤية شاملة للسياسات، خاصة حين يتعلق الأمر بمجالات معقدة مثل مكافحة الفساد أو إصلاح الإدارة. وتمنح هذه المقاربة قدرة أكبر على تفسير النتائج وربطها بالواقع الميداني.
وشدد المتحدث على مجموعة من الرسائل التي ينبغي ترسيخها، أبرزها أن اختيار المنهجية المناسبة لا يرتبط بوجود طريقة أفضل من أخرى، بل بطبيعة السؤال التقييمي المطروح.
كما أكد أن نجاح عملية التقييم يتطلب تضافر كفاءات متعددة تشمل خبراء في الإحصاء، ومختصين في التحليل النوعي، ومعرفة دقيقة بالسياق والسياسات.
وأشار أيضا إلى أن توفر البيانات يظل شرطا أساسيا، داعيا إلى تعزيز جمعها وتقاسمها بشكل آمن وشفاف. وأكد أن التقييم ينبغي أن يتحول إلى جزء من الثقافة المؤسساتية داخل الإدارات، بدل أن يبقى مجرد نشاط ظرفي أو استثنائي.
وفي حديثه عن أهمية التقييم في المغرب، أوضح المتدخل أن البلاد حققت تقدما ملموسا في مجالات رقمنة الخدمات وتعزيز النزاهة، غير أن الانتقال إلى مستوى أعلى من الفعالية يتطلب قياساً دقيقاً لنتائج الإصلاحات، وفهما واضحاً للعوامل التي تحد من نجاعتها، إلى جانب اعتماد التقييم كأداة للتعلم المؤسساتي وتحسين الأداء العام.
واختتم عرضه بالتأكيد على أن تقييم الأثر لم يعد رفاهية أكاديمية، بل ضرورة لضمان أن كل درهم من المال العام يُصرف بشكل يحقق فائدة حقيقية للمواطن.
إشادة دولية
أشاد مهندس دولي في السياسات العمومية، خلال جلسة اليوم الثلاثاء، أن جودة الدليل المعروض عالية جدا، موضحا أنه يتضمن مفاهيم متعددة ومراحل منهجية دقيقة.
وشدد على ضرورة اعتماد عملية تقييم فعّالة، وهو ما يرى أن الجهة المنظمة قطعت فيه خطوة جريئة، لأنها لا تكتفي بإرساء إجراءات مكافحة الفساد، بل تعمل أيضا على وضع منهجية لقياس مستويات الفساد وتقييم الأثر الحقيقي للاستراتيجيات المعتمدة.
وأشار إلى أن العديد من الدول تضع خططا دون التفكير في المخرجات النهائية أو كيفية إبراز التقدم المحقق أمام الفاعلين السياسيين والمواطنين ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية.
وأكد في هذا السياق أن العالم يعيش اليوم في منظومة مترابطة اقتصاديا وتجاريا، مما يجعل مثل هذه المقاربات ضرورية.
وأضاف قائلا إن ما يبحث عنه المجتمع الدولي اليوم في مجال مكافحة الفساد هو القدرة على قياس الفساد.
وشدد المتحدث على أن المهمة الراهنة هي قياس أثر إجراءات مكافحة الفساد على السكان، وهو أمر بالغ الصعوبة، مشيرا إلى ضرورة إدراك محدودية أدوات القياس المتاحة حاليا.
وأوضح أن المنهجية المعروضة تشبه مجموعة أدوات جراحية متطورة بينما لا نعرف بعد كل تفاصيل التشريح، ما يعني الحاجة إلى تبسيط المقاربة قبل تعقيدها.
وأورد المتدخل خلاصة من وثيقة للبنك الدولي بعنوان "تقييم خطط العمل لمكافحة الفساد"، والتي تحذر من الإفراط في هندسة أنظمة التتبع والتقييم، أو وضع عدد كبير من المؤشرات، كما حدث في كولومبيا وتشيلي اللتين حاولتا قياس مئات بل آلاف المؤشرات، مما أدى إلى تعقيد الأنظمة.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
مجتمع
مجتمع