فن وثقافة
خلف أشجار النخيل .. لا يوجد سوى السراب
30/11/2025 - 15:27
جمال الخنوسي
بعد فيلمها الأول "صوفيا" الذي حاز على جائزة أفضل سيناريو في قسم "نظرة ما" بمهرجان "كان" السينمائي سنة 2018، تعود المخرجة الفرنسية المغربية مريم بن مبارك بفيلم ثان يحمل عنوان "خلف أشجار النخيل"، هذه المرة في عرض عالمي أول ضمن الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
فيلم لا يختلف كثيرا عن سابقه: طرح اجتماعي لظواهر استهلكت كثيرا في التلفزيون قبل السينما دون أن تأتي بجديد يذكر. يجعل من بن مبارك "مخرجة إضافية" تكتفي بتجميع كليشيهاتٍ مألوفة وتقديمها في قالبٍ بصريٍّ أنيق، لكنه فارغ من أي رؤية حقيقية أو حسٍّ جمالي.
يحكي "خلف أشجار النخيل"، الذي سيخرج للقاعات التجارية في 2026، قصة سمعنا مثلها مئات المرات، وشاهدنا تفاصيلها في عشرات الأفلام على الشاشة الصغيرة. البطل اسمه "مهدي"، الشاب الطنجاوي الذي يعيش حياة متواضعة مع "سلمى"، قبل أن يلتقي "ماري"، الفرنسية الثرية التي جاءت لقضاء العطلة مع والديها في فيلا فخمة مطلة على البحر. من النظرة الأولى، تتداخل الرغبة بالعطش الطبقي، ويتحوّل الإعجاب إلى وهم بالانتماء إلى عالم آخر، بعيد وعصي.
وعلى منوال هذه الثنائية، يحاول الفيلم أن يرسم تباينا صارخا بين عالمين متناقضين: بين ضيق البيوت والأزقة ورحابة الفيلات الفخمة، بين صخب الأعراس الشعبية وأناقة الحفلات الراقية، بين قبلةٍ مسروقة في ورشة بناء وحب ملتهب في بيتٍ بورجوازي، بين الفتاة المتلهفة على الزواج والشابة التي تقضم شهوات الحياة...
وحتى اختيار مدينة طنجة لم يكن محض صدفة، فهي رمز لمجتمعٍ يتأرجح بين ضفتين؛ ضفة أوروبية منفتحة وأخرى مغربية غارقة في التناقضات، حيث شبابها يصلي ويشرب الخمور، متدين يشتهي المحرمات ويمارس "الرذيلة".
غير أنّ هذا التناقض البصري والفكري سرعان ما ينقلب إلى حكايةٍ اجتماعية وعظية، تُعيد إنتاج الدرس الأخلاقي نفسه: فمهدي، في النهاية، يشبه الغراب الذي حاول تقليد مشية الحمامة، فأضاع مشيته الأصلية ولم يُحسن أبدا أناقة خطى الحمامة.
في فيلمها "صوفيا"، كانت بنمبارك على الأقل تملك حدّة نظر، تفضح النفاق الاجتماعي من داخل العائلة، عبر توتر حقيقي بين الكاميرا والجسد. أما في "خلف أشجار النخيل"، فقد خفّ التوتر. واستعادت نفس القالب الفكري، ونفس النسوية الانتهازية التي تبيع خطاب التحرر في قالبٍ استشراقيٍّ أنيق.
في الحقيقة هي قصة لا تمتلك شرف ولا أحقية أن تروى. لا أثر هنا لأي مغامرة شكلية أو بحث بصري؛ لا خطة ضوء مدهشة، لا زمن يتشظّى، لا صمت يعلمنا شيئا. مجرد مشاهد مصقولة ولقطات جميلة فارغة، كأن الجمال صار بديلا عن المعنى. الكاميرا ثابتة على نحو يبعث على الريبة، كأنها تخشى أن تقترب من الوجوه أو أن تكشف ما وراءها من هشاشة. تظل على مسافة آمنة، تراقب من بعيد دون أن تلامس حرارة البشر أو اضطرابهم. وهكذا تفقد المشاهد نبضها الإنساني، فتبدو باردة، منقوعة في صمتٍ بصريّ يخنق العاطفة.
أداء الممثلين يتماهى مع هذا البرود: وجوه بلا إحساس، نظرات تائهة لا تعرف إلى أين تتجه، كأنها تنتظر من العدسة أن تمنحها حياة. وحدها الممثلة المغربية نادية كندة كسرت هذا الجمود، بحضورٍ يفيض صدقا ودفئا. كانت الوحيدة التي تجاوبت مع الكاميرا بصدق داخلي نادر، تمنحها في كل لقطة ما افتقده الآخرون من توترٍ وحيوية. لكنها، ويا للمفارقة، همّشت داخل السرد، وتُركت جانبا رغم أنها وحدها حملت على وجهها ما يشبه الحياة.
لقد هيمنت على الفيلم ما يمكن تسميته "النظرة المزدوجة"؛ فالمخرجة تنتمي إلى مجتمعٍ وتراه من خارجه في الوقت نفسه. تصوّر وطنا كما يتخيّله السائح أو le bobo parisien: خليط من الحرمان والجاذبية الغامضة. غير أن هذه الازدواجية، بدل أن تتحول إلى طاقة إبداعية، تصير عائقاً جمالياً. فالفيلم يريد أن ينتقد المجتمع الذكوري والازدواجية الأخلاقية، لكنه يفعل ذلك بخطابٍ وعظي، أشبه بدرس يلقَى على جمهور أوروبي ينتظر أن يُقال له ما يتخيله سلفا: الكبت، النفاق، والذكورية.
لم تفاجئنا مريم بن مبارك، ولم تخط خطوة خارج حدود الأمان التي رسمتها سابقا. واستعادت وصفة "صوفيا"، لكن بعد أن خفت حرارتها وتلاشت نكهتها. فيلم يتظاهر بالعمق، يتحدث عن المجتمع دون أن يراه، ويكرر ما قيل من قبل بلغة مصقولة تخفي فراغ المعنى. هو فيلم تلفزيوني متخفي في صورة فيلم سينما المؤلف. إنتاج بلجيكي فرنسي مغربي بلا هوية، كأنه صُنع ليُرضي نظرة الآخر لا ليواجه ذاته. وفي نهاية الأمر، فإن الحكاية لا تُمنح شرف أن تُروى إلا حين تكون ضرورية. وهنا، خلف أشجار النخيل، لا يوجد سوى السراب.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة