اقتصاد
أكثر من مليون منزل فارغ في المغرب .. ما تفسير ذلك؟
12/12/2025 - 14:42
خولة ازنيزني
يرسم قطاع العقار اليوم معادلة تجمع بين توسع عمراني متواصل بمتوسط سنوي يبلغ 215 ألف وحدة سكنية جديدة في العشر السنوات الأخيرة، مقابل ارتفاع في عدد المساكن الفارغة الذي بلغ 1,1 مليون وحدة، و1,3 مليون مسكن ثانوي أو موسمي وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط.
المساكن ترتفع… لكن الفارغ منها يتزايد
تُظهر أرقام المندوبية السامية للتخطيط أن عدد المساكن بالوسط الحضري ارتفع من 6,2 ملايين وحدة سنة 2014 إلى 8,34 ملايين سنة 2024، أي بمتوسط زيادة سنوية يبلغ 215 ألف وحدة.
ورغم هذا الارتفاع، تزايدت الوحدات غير المستغلة بشكل لافت، إذ بلغ عدد المساكن الفارغة 1,1 مليون وحدة، مقابل 5,9 ملايين مسكن مشغول، و1,3 مليون مسكن ثانوي أو موسمي.
وتشير المندوبية إلى أن نسبة المساكن المشغولة تراجعت من 75% سنة 2014 إلى 71,1% سنة 2024، ما يعكس خللا بين المنجزات السكنية وحاجيات الأسر.
يؤكد رئيس الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين توفيق كميل، أن استمرار ارتفاع المساكن الفارغة ليس ظاهرة ظرفية بل نتيجة تراكمات طويلة تتطلب إصلاحات هيكلية.
ويشرح كميل، في تصريحه لـSNRTnews أن جزءا مهما من هذه الشقق تخص الجالية المغربية المقيمة بالخارج، حيث يقتني عدد منهم شققا في جهات مثل الشرق وبني ملال–خنيفرة بهدف الاستعمال الموسمي فقط، مما يجعلها فارغة طيلة السنة.
أما الفئة الثانية فتخص الملاك المحليين الذين يشيدون مساكن بغرض الكراء، لكن تعقيدات الإفراغ وتأخر المساطر القضائية تجعلهم يحتفظون بممتلكاتهم مغلقة، خوفا من الوقوع في نزاعات مع المكترين، مشيرا إلى النظام الضريبي للإسكان المفروض على العقارات السكنية يرتفع بنسبة ٪2 كل 5 سنوات، ما يجعل عدم استغلال السكن الثاني غير مربح.
ويضيف كميل أن الإشكالات تمتد إلى الوعاء العقاري، خصوصا في المدن التي تعرف نموا للطبقة المتوسطة، حيث أصبح الحصول على أراض صالحة للبناء تحديا كبيرا يرفع تكلفة المشاريع.
ويرى كميل أن ارتفاع المساكن الفارغة ينعكس على السومة الكرائية، إذ يقل العرض الحقيقي للكراء رغم كثرة الشقق، لأن عددا كبيرا منها مغلق، مما يؤدي عمليا إلى ارتفاع الثمن.
ثقافة الاستثمار في البناء
يربط الخبير الاقتصادي عمر الكتاني هذه الظاهرة بنوعية الادخار في المغرب، حيث يرى أن الأسر المغربية تميل إلى استثمار مدخراتها في الأرض والشقق باعتبارها ملاذا آمنا، بدل توجيهها نحو قنوات إنتاجية مثل الأسهم أو المشاريع الاقتصادية.
ويعطي مثالا بالدول المتقدمة التي تعتمد على صناديق الاستثمار لتعبئة الادخار، حيث تتوفر الولايات المتحدة على أكثر من 7000 صندوق، بينما لا يتجاوز العدد في المغرب 600 صندوق، ما يجعل العقار الوعاء الأول للادخار، وبالتالي ترتفع الأسعار ويزداد السكن الفارغ.
ويؤكد الكتاني، في تصريحه لـSNRTnews أن السكن الفارغ لا يحقق أي مردودية، بل قد يتحول لعبء مالي على المالك بسبب الضرائب المفروضة على السكن الثاني والثالث، إضافة إلى نقص الحوافز التي تشجع على طرحه للكراء.
كما يشير إلى أن الإطار القانوني لا يمنح المالكين ضمانات كافية في حالة النزاع مع المكتري، ما يفسر إغلاق الكثيرين لشققهم.
ويقول:"في بعض الحالات، يحتاج المالك سنوات لاسترجاع مسكنه، أو قد يضطر للدفع للمكتري مقابل خروجه، وهذا غير مشجع إطلاقا."
ويرى أن استثمارات مغاربة العالم، الذين يبلغ عددهم 6,5 ملايين شخص، تتركز أيضا في العقار، وخاصة في مدن مثل الناظور التي ارتفع فيها ثمن المتر المربع نتيجة الطلب القوي على الشقق المخصصة للعطل.
العجز السكني يتراجع… لكن الاختلال قائم
قدرت المندوبية السامية للتخطيط العجز السكني سنة 2024 بـ 334 ألف وحدة، أي 4,9% فقط، ومع وجود أزيد من مليون مسكن فارغ، يبرز أن التحدي لم يعد في توفير الوحدات، بل في ملاءمة العرض مع القدرة الشرائية للأسر، إضافة إلى مشكلات الاستغلال، والكراء، والنظام الجبائي.
وتسجل جهة الدار البيضاء–سطات أعلى نسب العجز، بحكم حجم الطلب وانتشار دور الصفيح وصعوبة تعبئة الأراضي.
في هذا السياق، يبرز محمد الحلو، رئيس اتحاد الوكلاء العقاريين بجهة الدار البيضاء–سطات، أن العجز العقاري اليوم يعود إلى تزايد الشقق الفارغة وارتفاع الأسعار أكثر من قدرة المشترين، إضافة إلى تأثير عوامل أخرى مثل ارتفاع تكاليف البناء وتراجع قيمة القروض البنكية الموجهة لاقتناء السكن، فضلا عن تدخل الوسطاء العقاريين عند الاستفادة من الدعم الحكومي على السكن.
ويشير الحلو إلى أن عددا من المدن الصناعية الكبرى تعرف إقبالا على الكراء بدل الشراء، خصوصا من طرف الموظفين والعمال القادمين من مدن أخرى، ما يقلل الطلب على التملك.
كما يؤكد أن تحديد عدد وحدات بناء شقق الاستوديو التي كانت تمثل مدخلا مهما للشباب نحو التملك عمق أزمة الولوج للسكن، مشددا على أن سوق العقار لايتأثر بمعادلة العرض والطلب، إذ تستمر مؤشر سوق العقار في الارتفاع.
من جهته، يرى الخبير المالي الطيب أعيس أن تزايد المساكن الفارغة انعكاس مباشر لتباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية، إذ لا يتجاوز معدل النمو الوطني 3% في السنوات الأخيرة، بينما ترتفع أسعار العقار بوتيرة أسرع.
ويعتبر أن نظام الإيجار الحالي يعمق الأزمة، لأن المالكين يخشون النزاعات، فيغلقون مساكنهم، مما يقلل العرض الحقيقي، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع.
ويقترح أعيس مراجعة قانون الأكرية لضمان توازن العلاقة بين الطرفين، بالإضافة إلى تحفيزات ضريبية تدفع المالكين لطرح مساكنهم للكراء، معتبرا أن انتعاش الاقتصاد هو المدخل الأساسي لإعادة التوازن للسوق.
ويرى الخبير المالي أن الحلول لن تكون قطاعية فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تتقاطع فيها القوانين والجبايات والسياسة الحضرية وتحفيزات الاستثمار، لضمان سوق عقارية أكثر توازنا وقدرة على الاستجابة لحاجيات الأسر.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد