مجتمع
فيضانات آسفي.. كيف يجب التعامل مع الأخبار خلال الأزمات؟
16/12/2025 - 13:18
خولة ازنيزني
مع كل أزمة اجتماعية أو بيئية أو صحية، يتجدد النقاش حول كيفية التعامل مع الأخبار، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمقاطع الزائفة والمحتويات المفبركة، من جائحة “كوفيد-19”، إلى زلزال الحوز، مرورا بعدد من التظاهرات والأحداث، وصولا إلى فيضانات آسفي مؤخرا، تتكرر الظاهرة نفسها، ببروز صور وفيديوهات ومنشورات بعيدة عن الواقع، تثير الفزع، وتربك الرأي العام، وتؤثر بشكل مباشر على الثقة في المعلومة ومصادرها.
وخلال الأزمات، يجد المتلقي نفسه أمام كم هائل من الأخبار، تتداخل فيه الوقائع الصحيحة مع الأخبار الزائفة، لتصبح مهمة التمييز بينها أكثر تعقيدا، خصوصا مع هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء للتوثيق الفوري، سواء عبر البث المباشر أو المقاطع المسجلة، فضلا عن تدخلات الذكاء الاصطناعي التي زادت من صعوبة التحقق.
فبين فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي، وأخرى قديمة تعود لأحداث أو مناطق مختلفة، أو مقاطع يجري الترويج لها خارج سياقها، يجد المواطن نفسه أمام مشهد ضبابي تختلط فيه النشرات التحذيرية الرسمية بمحتويات مضللة.
الأزمات وتأثيرها على السلوك الفردي والجماعي
في هذا السياق، يؤكد نبيل الصافي، الباحث في علم الاجتماع، أن الأزمات تؤثر بشكل مباشر على سلوك الإنسان، سواء من حيث طريقة التعامل معها أو التفاعل معها أو مواجهتها.
ويوضح الصافي، في تصريح لـSNRTnews، أن الأزمات يمكن تقسيمها إلى أزمات حقيقية وأخرى مفبركة، مشيرا إلى أن الأزمة الحقيقية قد تعرض بحجمها الطبيعي، أو يتم تضخيمها، أو تبخيسها، وهو ما ينعكس على طريقة تلقيها داخل المجتمع.
ويضيف أن الفرد، في مختلف هذه الحالات، يجد نفسه أمام تحد يتمثل في كيفية توظيف آلياته النفسية والإدراكية والعقلية، إلى جانب الإمكانيات المتاحة، من أجل التفاعل مع الأزمة وتجاوزها بأقل الخسائر.
ويرى الباحث أن الاعتماد على مصادر موثوقة يشكل عنصرا حاسما في الحفاظ على السلم الاجتماعي والتوازن النفسي للأفراد والجماعات، وضمان استمرارية الحياة بشكل طبيعي.
كما دعا إلى تعزيز دور الأجهزة المختصة في رصد الأزمات وتتبع الجهات التي تختلق الصور أو تفبرك المحتويات، بهدف ضبط تداول المعلومات والحد من مناخ الخوف، مشددا على دور السلطات في تحديد طبيعة الأزمات ونقل صورتها للرأي العام، وكذا طريقة تقديم النصائح والإرشادات المرتبطة بها.
وأكد الصافي أن ربط الأزمة بالخبر الموثوق والجهة الرسمية التي تصدره، مرفقا بتوصيات واضحة للمواطنين، يساهم في الحد من الفوضى المعلوماتية، داعيا، في الآن ذاته، إلى تتبع الأخبار من مصادرها الرسمية والمواقع المخول لها تقديم المعلومة، مع ضرورة ترسيخ مدونة قيم قائمة على المسؤولية والمحاسبة.
وأشار الباحث في علم الاجتماع إلى أن الأخبار الزائفة أصبحت ظاهرة يصعب التحكم فيها، خاصة في ظل التأخر أحيانا في وصول المعلومة الرسمية.
وأوضح أن هذه الأخبار تتغذى أساسا على عامل السرعة، حيث يسارع عدد من المستخدمين إلى مشاركة المحتويات دون التحقق من صحتها، مشيرا إلى أن عنوانا مثيرا أو صورة مركبة قد يكونان كافيين لمنح الزيف قدرة انتشار تفوق أحيانا الحقيقة.
وأبرز أن من بين الحلول هي إنشاء المرصد الوطني للأزمات، وتدريس تدبير الأزمات ضمن المقررات الدراسية، وإطلاق دورات تكوينية التأهيل المجتمع على مواجهة الأزمات، بالإضافة إلى إنشاء منصات متخصصة في الأخبار وقت الأزمات.
نحو وعي نقدي
من جهته، يرى أستاذ علم النفس الاجتماعي محسن بنزاكور أن الرأي العام يجد صعوبة كبيرة في التمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة، إذ غالبا ما يكون المعيار الأساسي في التفاعل مع الخبر هو البعد الوجداني والعاطفي.
وأوضح بنزاكور، في تصريح لـSNRTnews، أن الإنسان بطبيعته يميل إلى التفاعل مع المآسي والكوارث، والتركيز على عدد الضحايا، دون التدقيق في مصدر المعلومة أو مدى صحتها.
وأضاف أن هذا السلوك يظهر جليا من خلال التفاعل المكثف مع المحتويات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يكون الدافع في كثير من الأحيان فضوليا وعاطفيا، بعيدا عن المعايير التي تضبط المعلومة، مشيرا إلى أن الأزمات تخلف صدمات نفسية جماعية تدفع المواطنين إلى متابعة الأخبار بشكل مكثف بحثا عن الطمأنينة، إلى حد قد يصل إلى نوع من “الإدمان” الإخباري.
وفي هذا السياق، يؤكد بنزاكور أن بعض الجهات تستغل هذه الحالة النفسية لنشر أخبار زائفة وخلق أجواء من الخوف والهلع، وهي ظاهرة تتكرر مع كل أزمة كبرى، وتستدعي الحد منها عبر المتابعة القانونية والمحاسبة.
ودعا بنزاكور المواطنين إلى اعتماد المنطق والتفكير النقدي قبل تصديق أو مشاركة أي خبر، واستحضار التجارب السابقة، مثل الأخبار الزائفة التي رافقت جائحة “كورونا” أو واقعة الطفل “ريان”، والتي أظهرت أن المعلومة الدقيقة لا تصدر إلا عن الجهات الرسمية.
وشدد أستاذ علم النفس الاجتماعي على أن سهولة تصديق الفيديوهات تشكل أحد أبرز التحديات، في ظل صعوبة التمييز بين محتوى حقيقي وآخر مفبرك أو مولد بالذكاء الاصطناعي، خاصة لدى المتلقي العادي الذي يفتقر إلى مهارات التحقق الرقمي.
كما دعا إلى عدم التسرع في إعادة نشر الأخبار غير المؤكدة، حتى لا يتحول المواطن نفسه إلى حلقة في سلسلة التضليل.
وفي المقابل، أكد على مسؤولية المؤسسات في التواصل المستمر مع المواطنين، وأخذ المبادرة في إيصال المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، تفاديا لترك فراغات معلوماتية يستغلها مروجو الأخبار الزائفة.
عقوبات قانونية
من جانبه، يرى عبد الغني هرماشي، المحامي بهيئة الدار البيضاء، أن الأخبار الزائفة تتميز بقدرة كبيرة على الانتشار، مستفيدة من الطبيعة التفاعلية لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تسمح بتداول المعلومات عبر الحدود الجغرافية والزمنية في وقت وجيز.
وأوضح هرماشي، في تصريحه لـSNRTnews، أن خطورة هذه الأخبار تكمن في اعتمادها على استغلال العواطف والمشاعر أكثر من اعتمادها على الحقائق، مما يجعلها قادرة على خلق "واقع بديل" في أذهان المتلقين، قد يمس بالسلم الاجتماعي وبسمعة الأفراد والمؤسسات.
وأكد هرماشي أن المشرع المغربي أولى أهمية خاصة لحماية الحياة الخاصة للأشخاص وصون كرامتهم، خاصة في الفضاء الرقمي. فوفقا لمقتضيات الفصل 447-1 من القانون الجنائي، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم كل من قام عمدا، وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات ذات طابع خاص دون موافقة أصحابها، كما تشمل العقوبة بث أو توزيع صور أشخاص في أماكن خاصة دون إذنهم.
أما الفصل 447-2، فيشدد العقوبة عندما يتعلق الأمر ببث أو توزيع تركيبة من أقوال شخص أو صورته، أو نشر ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة أو التشهير، حيث يعاقب الفاعل بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم.
وختم هرماشي بالتأكيد على أن مواجهة الأخبار الزائفة لا تقتصر على الجانب القانوني الزجري، بل تتطلب أيضا تعزيز الوعي المجتمعي، ونشر ثقافة التحقق من المصادر، وتحميل كل فاعل رقمي مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، معتبرا أن الوقاية تظل خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر المتنامي.
مقالات ذات صلة
واش بصح
مجتمع
مجتمع
تكنولوجيا