اقتصاد
الاستثمار عبر الإنترنت.. فرص ومخاطر من الاحتيال الرقمي
26/12/2025 - 11:31
خولة ازنيزني
يشهد الاستثمار عبر الإنترنت إقبالا متزايدا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بتنامي الوعي بأدوات السوق المالي، وتسارع الرقمنة، وسهولة الوصول إلى منصات التداول. كما تسعى فئات واسعة خاصة الشباب، إلى البحث عن بدائل اقتصادية ومصادر دخل جديدة.
هذا الإقبال ينظر إليه على أنه تحول طبيعي في سلوك الاستثمار، غير أنه يقترن في المقابل بتسجيل حالات نصب واحتيال متزايدة، ارتبطت غالبا بمنصات تداول غير مرخصة وبممارسات مشبوهة في مجال الإرشاد المالي.
إلى جانب ذلك، تنتشر توصيات لشراء وبيع الأسهم عبر مواقع إلكترونية وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو داخل مجموعات مغلقة على تطبيقات المراسلة الفورية، حيث تقدم هذه التوصيات على أنها “فرص استثمارية واعدة”، بينما تخفي في الواقع ممارسات غير قانونية أو عمليات تضليل تستهدف مستثمرين يفتقرون إلى الخبرة الكافية.
أكد الخبير الاقتصادي والمالي، الطيب أعيس، أن الاستثمار عبر الإنترنت يمثل تحولا بنيويا في طريقة تفاعل الأفراد مع الأسواق المالية، مشيرا إلى أنه سهل سبل التواصل بين المستثمر والشركات، ومكن من إنجاز العمليات بسرعة، ووفر ولوجا شبه فوري إلى المعلومات المالية مقارنة بالاستثمار التقليدي.
وأضاف أعيس، في تصريحه لـSNRTnews أن هذه الإيجابيات رافقها ظهور منصات غير مرخصة ينشئها أشخاص مجهولو الهوية، لا يخضعون لأي إطار قانوني أو رقابي، ولا يحترمون مقتضيات القانون رقم 19.14، الذي يضع مجموعة شروط صارمة لضمان حماية المستثمرين.
وأشار أعيس إلى أن بعض هذه المنصات تلجأ إلى تقنيات تلاعب معروفة، تقوم على استغلال الرغبة في الربح السريع، وتضخيم المكاسب المحتملة، مع إخفاء المخاطر الحقيقية.
وتظهر المنصات بمظهر احترافي، وتعد بأرباح سريعة ومرتفعة، ويقوم بعض القائمين عليها بانتحال صفة خبراء ماليين لكسب ثقة المستثمرين، وغالبا ما يتبع هذا السيناريو نمطا متكررا يبدأ بإعلانات ممولة تستهدف فئات معينة من الشباب، ثم دفعهم للإيداع الأولي، يلي ذلك عرض أرباح وهمية لإقناع الضحايا بضخ مبالغ إضافية، قبل أن ينتهي الأمر بمنع عمليات السحب واختفاء المنصة نهائيا.
وأكد أعيس أن تنظيم هذا المجال يظل من اختصاص الهيئة المغربية لسوق الرساميل، مشددا على ضرورة التحقق من الوضع القانوني لأي منصة قبل ضخ الأموال، وعدم الانسياق وراء وعود غير واقعية.
مقاربة قانونية
اعتبر المستشار القانوني أمين فتحي أن كل دعوة عامة من أجل استثمار الأموال أو دفع مبالغ مالية مقابل خدمات مرتبطة بالتداول خارج الإطار القانوني تعد خرقا صريحا للقانون، وقد تصل إلى مستوى جريمة النصب والاحتيال.
وأوضح فتحي، في تصريحه لـSNRTnews أن التوصيات الاستثمارية غير المرخصة، سواء داخل مجموعات مغلقة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تقدم أحيانا في قالب “نصائح مجانية” أو “فرص لا تعوض”، لكنها في الواقع ممارسة غير قانونية للإرشاد المالي وقد تمثل مدخلا لعمليات احتيال منظمة.
وأشار إلى أن الفصل 540 من القانون الجنائي المغربي يعاقب هذه الأفعال، خصوصا عند تقديم صورة وردية عن الاستثمار، مصحوبة بعرض أرباح وهمية ومظاهر رفاهية مزيفة. كما أن القانون المغربي لا يجرم فقط عملية النصب، بل يخضع أيضا الاستثمارات المالية بالخارج لمراقبة صارمة من مكتب الصرف، محذرا من أن ضخ الأموال في منصات تداول غير مرخصة قد يصنف كاستثمار غير قانوني لرؤوس الأموال ويعرض صاحبه لمتابعات جنائية وإدارية.
وأوضح فتحي أن المسؤولية الجنائية في هذا المجال تشمل ثلاث دوائر:
الإرشاد الاستثماري غير المرخص: ويشمل تقديم توصيات شراء وبيع الأسهم دون تسجيل لدى الهيئة المغربية لسوق الرساميل. ويعاقب القانون رقم 19.14 على ممارسة هذا النشاط دون ترخيص بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من 50 ألف درهم إلى 200 ألف درهم.
منصات التداول الاحتيالية: وتشمل المنصات التي تظهر بمظهر احترافي، تعد بأرباح مرتفعة وسريعة، وقد ينتحل المشرفون عليها صفة مهنيي السوق لكسب الثقة، ثم تتبع أسلوبا نمطيا يعتمد على الإعلانات الممولة، والإيداع الأولي، وعرض أرباح وهمية، منع السحب، ثم اختفاء المنصة. ويعاقب القانون على هذه الممارسات بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 500 إلى 5000 درهم لكل من استخدم الاحتيال لإيقاع الغير في الغلط بهدف تحقيق منفعة مالية.
الترويج أو التسهيل: يشمل نشر روابط الإحالة أو إدارة قنوات توصيات تشجع على الإيداع، أو تقديم ادعاءات غير صحيحة، أو الاستفادة من عمولات مقابل جلب مستثمرين، ما يجعل الشخص شريكا في سلسلة الاستدراج، خصوصا إذا كان على علم بالطابع الاحتيالي أو استمر في النشاط رغم شكايات الضحايا.
وأشار فتحي إلى تقنية “الضخ والتفريغ”، حيث يتم تحفيز العموم على شراء سند قبل أن يقوم الموصي بالبيع لتحقيق ربح، ما يؤدي إلى الإضرار بالنزاهة السوقية.
الوقاية من الوقوع ضحية للنصب
تشمل القواعد العملية الأساسية التحقق من صفة وترخيص المنصة أو المستشار المالي عبر اللائحة الرسمية للمرشدين المعتمدين لدى الهيئة، والحذر من وعود الربح السريع والمرتفع، فهي غالبا مؤشر احتيالي، واختبار إمكانية السحب قبل ضخ مبالغ كبيرة، وتجنب إرسال بيانات حساسة أو دفع رسوم إضافية، وحفظ الأدلة والتبليغ الفوري عند الاشتباه، خصوصا مع المنصات غير الخاضعة لمراقبة الهيئة.
وأوضح الخبير أن أصعب نقطة هي التطبيع مع فكرة “التوصية” كعمل عادي، حيث إن أي محتوى يوجه الناس لشراء أو بيع أو الإيداع مع وعود ومؤشرات جاهزة قد يقترب من مخاطرة جنائية مزدوجة، بين ممارسة الإرشاد دون ترخيص، أو رتكاب جريمة النصب أو المشاركة فيها عند ارتباط الأمر بمنصات احتيالية.
الهيئة المغربية لسوق الرساميل: اليقظة خط الدفاع الأول
وكانت الهيئة المغربية لسوق الرساميل قد أصدرت بلاغا دعت فيه المستثمرين إلى توخي الحذر والتزود بالمعلومات قبل القيام بأي استثمار، محذرة من الممارسة غير المرخصة لنشاط الإرشاد المالي ومن انتشار منصات التداول الاحتيالية التي قد تُسفر عن خسائر جسيمة وتمس نزاهة السوق.
وأكدت الهيئة أن الترخيص وفق القانون رقم 19.14 يمثل ضمانة أساسية لحماية المستثمرين، داعية إلى التحقق من هوية المحاورين والحذر من النصائح المتداولة، خاصة داخل مجموعات المراسلة الخاصة، مع الاطلاع على اللائحة الرسمية للمرشدين المعتمدين عبر موقعها الإلكتروني. كما تعتزم الهيئة إنشاء آلية رقمية للتوعية والتحسيس لمكافحة الاحتيال في الاستثمار، وتذكر أن البوابة الرقمية “لنفهم سوق الرساميل” متاحة للجميع لفهم آليات السوق ومفاهيم الاستثمار المالي.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
تكنولوجيا
اقتصاد
اقتصاد