اقتصاد
اقتصاد الرعاية .. دعوة لاستراتيجية وطنية تدعم الأسر والنساء
28/01/2026 - 13:51
وئام فراج | حمزة باموتوقف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عند إشكالية الاعتراف باقتصاد الرعاية كقطاع منظم بالمغرب، في سياق تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة، وما يرافقها من تزايد متنامٍ في حاجيات الأسر إلى خدمات الرعاية والتكفل والمواكبة.
دعا رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، الأربعاء 28 يناير 2026، إلى اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة وطموحة لاقتصاد الرعاية، باعتباره رافعة أساسية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.
رهان الاعتراف
أوضح أعمارة، خلال لقاء تواصلي خُصص لتقديم مخرجات رأي المجلس حول “اقتصاد الرعاية في المغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”، أن الرعاية ليست نشاطا هامشيا أو ظرفيا، بل واقعا يوميا يشمل مختلف فئات المجتمع، سواء داخل الأسر أو في المؤسسات.
وتشمل هذه الرعاية مختلف مراحل الحياة، من الطفولة المبكرة إلى الشيخوخة، مرورا بحالات المرض والإعاقة، كما تمتد إلى مواكبة النساء في مساراتهن الحياتية والمهنية.
وأشار إلى أن مجموع أنشطة الرعاية، سواء كانت مأجورة أو غير مأجورة، وأسرية أو مؤسساتية، تشكل ما يُعرف اليوم باقتصاد الرعاية، وهو اقتصاد يهدف إلى تلبية الحاجيات الجسدية والنفسية والعاطفية للأفراد، عبر خدمات يقدمها مهنيون، أو أفراد الأسرة، أو جمعيات المجتمع المدني.
ولفت رئيس المجلس إلى أن هذا الرأي أُعد وفق مقاربة تشاركية، شملت جلسات إنصات واستشارة مواطنة عبر منصة "أشارك"، شارك فيها 1591 مواطنا ومواطنة.
وأظهرت نتائج الاستشارة أن 51 في المائة من المشاركين يلجؤون بانتظام إلى خدمات الرعاية، وأن أغلب هذه الخدمات يقدمها مهنيون مأجورون أو أفراد الأسرة، في مقابل تسجيل نقص في العاملين المؤهلين، وارتفاع كلفة الخدمات، وضعف البنيات المتخصصة.
كما اعتبر 60 في المائة من المشاركين أن المساعدين الأسريين لا يحظون بالاعتراف الكافي، داعين إلى الاعتراف القانوني بهذه المهن، وتحسين ظروف العمل، ووضع نظام أساسي موحد.
كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة
من جهة أخرى، سلط أعمارة الضوء على التحولات الديموغرافية العميقة التي يشهدها المغرب، من قبيل ارتفاع أمد الحياة، وتسارع شيخوخة الساكنة، وتزايد الأمراض المزمنة، إلى جانب التحول نحو الأسر النووية والأسر المكونة من شخص واحد، وهو ما يفرض ضغطا متزايدا على منظومة الرعاية.
وسجل أن البنيات والخدمات الحالية، سواء العمومية أو الخاصة، لا تزال غير كافية، وتعاني من محدودية وتفاوت مجالي، فضلًا عن تجزؤ البرامج وغياب رؤية مندمجة.
وأضاف أن استمرار الاعتماد على التضامن الأسري، رغم هشاشته المتزايدة، يجعل النساء يتحملن الجزء الأكبر من أعمال الرعاية غير المأجورة، وهو ما يترتب عنه كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، تتجلى في تعميق الفوارق بين الجنسين، وهشاشة المسارات المهنية، وتراجع مشاركة النساء في الحياة العامة.
وأشار، في هذا السياق، إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تفيد بأن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الوطنية قد يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 19 في المائة، مؤكدا أن الرهان على اقتصاد الرعاية يتيح تحقيق عدة مكاسب، من بينها تحسين التقائية السياسات العمومية عبر مقاربات مندمجة تتمحور حول مسارات الحياة، ودعم التنمية الترابية من خلال إرساء مرافق قرب سهلة الولوج، وخلق فرص شغل مستدامة لفائدة النساء والشباب والأشخاص ذوي المؤهلات المحدودة.
خلق فرض شغل دائمة
من جهتها، أكدت عضو المجلس ومقررة الرأي، زهرة الزاوي، على الإمكانات الكبيرة لهذا الاقتصاد في تعزيز التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية بالمغرب، مشيرة إلى من شأنه تعزيز التقائية السياسات العمومية من خلال مقاربات متكاملة، ودعم التنمية الترابية عبر خدمات قرب متاحة للجميع، وخلق فرص شغل دائمة، لا سيما للنساء والشباب، في مجالات مثل المساعدة في المنزل، ورعاية الأطفال، ومرافقة كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
وأكدت الزاوي على ضرورة اعتماد المغرب لاستراتيجية وطنية للرعاية بالآخرين، منظمة ومتكاملة، تهدف إلى الاعتراف الكامل بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية للرعاية، وتطوير مهن هذا القطاع، وتحسين جودة الخدمات، مع دعم التضامن الأسري وتوزيع المسؤوليات بشكل أكثر عدالة بين الأسر والدولة والجماعات الترابية والمهنيين والمجتمع المدني.
استراتيجية وطنية منظمة
انطلاقا من هذا التشخيص، شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية منظمة ومندمجة لاقتصاد الرعاية، دون المساس بدور التضامن الأسري، "بل مع دعمه وتقاسم مسؤوليات الرعاية بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والمهنيين والمجتمع المدني".
وتتوزع توصيات المجلس على أربعة محاور رئيسية، أولها جعل أعمال الرعاية رهانا وطنيا، عبر إحداث آلية وطنية للحكامة، وإرساء إطار قانوني موحد لاقتصاد الرعاية، وإدماجه ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية، مع ضمان تنزيله الترابي وفق خصوصيات الجهات.
أما المحور الثاني، فيركز على تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين، من خلال تنظيم هذه المهن وإضفاء الطابع المهني عليها، وضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية، إلى جانب الاعتراف بالمساعدين العائليين ودعمهم.
ويهم المحور الثالث ضمان توزيع منصف لأعمال الرعاية، عبر الاستثمار في البنيات التحتية الاجتماعية، وتوسيع معايير الاستفادة من البرامج الاجتماعية، وإرساء آليات للتوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، واعتماد إطار جبائي تحفيزي لاقتصاد الرعاية.
فيما يشدد المجلس في المحور الرابع على أهمية الاستثمار في تطوير اقتصاد الرعاية وملاءمته مع قيم المجتمع، من خلال دعم آليات الرعاية التضامنية، وتطوير تمويلات مبتكرة، وتشجيع الابتكار التكنولوجي في خدمات الرعاية الاجتماعية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع