مجتمع
من الديناصورات إلى الطيور اللاحمة.. عالم الحفريات نور الدين جليل يكشف أسرار تخصص فريد
17/03/2026 - 11:27
يونس أباعلي
يُعد فوسفاط المغرب، إلى جانب أهميته الاقتصادية العالمية، خزانا علميا فريدا. فمن خلال الطبقات الجيولوجية للرواسب، تمكن العلماء من اكتشاف مئات الأنواع من الكائنات البحرية والزواحف والطيور والثدييات التي عاشت قبل ملايين السنين.
في هذا الحوار، يسلط عالم الحفريات المغربي نور الدين جليل الضوء على تاريخ الأبحاث العلمية في رواسب فوسفاط خريبكة، وعلى أهم الاكتشافات التي حققتها فرق البحث الدولية، آخرها اكتشاف زاحف مفترس كان يعيش قبل 66 مليون سنة، إضافة إلى مساهمته الشخصية في تطوير الدراسات حول المستحاثات المغربية والحفاظ على هذا التراث العلمي الفريد.
متى انطلقت الأبحاث في رواسب فوسفاط خريبكة؟
الاهتمام العلمي بفوسفاط المغرب يعود إلى سنة 1907، عندما قدّم الباحث Brives أول وصف علمي للفوسفاط وللحفريات التي تتخلل طبقاته، وهو ما شكّل البداية الرسمية للدراسات العلمية المرتبطة بهذه الثروة الطبيعية.
في سنة 1917، تم اكتشاف الإمكانات الكبيرة لاحتياطات الفوسفاط، وهو ما أدى إلى إنشاء المكتب الشريف للفوسفاط سنة 1920 لتنظيم واستغلال هذه الثروة الحيوية. بعد ذلك، انطلقت، سنة 1921، عمليات الاستغلال الصناعي على نطاق واسع في حوض أولاد عبدون، قبل أن تتوسع سنة 1931 لتشمل مناجم اليوسفية التي كانت تُعرف آنذاك باسم Louis-Gentil.
متى بدأت الدراسات العلمية بشكل معمق؟
شكّلت سنة 1934 محطة نوعية في دراسة فوسفاط المغرب، حين كلف مدير المكتب الشريف للفوسفاط آنذاك Alfred Beaugé العالم الفرنسي Camille Arambourg، الباحث في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس، بإجراء دراسة علمية معمقة حول رواسب الفوسفاط بالمغرب.
وفي 1935، نشر هذا الباحث النتائج الأولى لأعماله، حيث حدّد الخطوط الكبرى للطبقات الجيولوجية للفوسفاط، مع التعرف على ثلاثة مستويات جيولوجية رئيسية داخل الترسبات، وهو ما شكّل قاعدة علمية أساسية للأبحاث اللاحقة.
كما نشر أرامبورغ سنة 1952 عملا شاملا حول الحيوانات الأحفورية الموجودة في الفوسفاط، وأصبح هذا العمل مرجعا أساسيا يعتمد عليه الباحثون إلى اليوم.
في سنة 1954، قام العالم Salvan بدراسة الكائنات غير الفقرية في الفوسفاط، مع التركيز على الرخويات، ما وسّع قاعدة المعرفة حول التنوع البيولوجي القديم في المنطقة. وفي سنة 1996، تم اكتشاف فك يضم أسنانا لأقدم حيوان ينتمي لفصيلة الفيلة، وهو أول ما تم اكتشافه. وهذه السنة هي التي التحقتُ فيها بكلية العلوم بمراكش وانضممت لفريق الباحثين. وكان ما يهمني حينها هو تكوين مجموعة من المستحاثات، خصوصا أن الكلية لم تكن تتوفر على أي عينة.
ماذا عن مساهمتك ضمن هذه الدينامية العلمية؟
انتقلتُ إلى فرنسا للعمل أستاذا في المتحف الوطني للعلوم الطبيعية، غير أن مشاريعي البحثية في المغرب استمرت في إطار الاتفاقيات العلمية القائمة، لأنني أشعر بأنني معني بالحفاظ على الموروث المعدني في المغرب والعمل على أن يكون مرجعا علميا دوليا.
وقد ساهمتُ مع باحثين من المكتب الشريف للفوسفاط الذين انخرطوا بجدية في هذه الأبحاث. كما سهلتُ توقيع شراكة علمية بين جامعة Bath البريطانية وجامعة القاضي عياض بمراكش، التي كنت أستاذاً بها، وذلك من أجل مواصلة الأبحاث حول حفريات الفوسفاط.
وشاركتُ أيضا في أبحاث مشتركة جمعت بين المكتب الشريف للفوسفاط والمعهد الوطني للأبحاث العلمية في فرنسا ووزارة الطاقة والمعادن. وقد شكّلت هذه الشراكة العلمية خطوة أساسية في تطوير البحث في مستحاثات الفوسفاط المغربي، إذ أتاحت توحيد الجهود بين مؤسسات علمية وصناعية لدراسة ما تخبئه الطبقات الجيولوجية للمنطقة.
وفي سنة 2005، تم تجديد الاتفاقية العلمية، وانضمت إليها جامعة القاضي عياض وجامعة شعيب الدكالي إضافة إلى المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بفرنسا. ومن خلال هذه الشراكة، اشتغل فريق دولي على دراسة مستحاثات خريبكة بشكل أعمق وأكثر تنظيما، من بينها أسنان أسماك القرش.
ما هي حصيلة هذه الحفريات إلى اليوم؟
تم جمع حوالي 100 ألف عينة أحفورية محفوظة حالياً في باريس، وقد وصف العلماء ما يقارب 150 نوعاً من الكائنات البحرية المنقرضة. ومن بين هذه الاكتشافات:
• 34 نوعا من الأسماك العظمية
• 14 نوعا من التماسيح
• 18 نوعا من السلاحف
• 17 نوعا من الموزاصورات (وهي زواحف بحرية عملاقة)
• ثعبان بحري
• 6 أنواع من الزواحف الطائرة (البتروصورات)
• 6 أنواع من الديناصورات غير الطائرة
• 4 أنواع من الطيور البحرية الأقدم في القارة الإفريقية
كما تم اكتشاف أنواع من الثدييات يبلغ عددها حوالي 11 نوعا
أين يتم جمع هذه الحفريات؟
أسفرت هذه الأبحاث عن جمع مستحاثات فريدة، ومن هنا تولدت فكرة إنشاء متحف لعرض هذه الكنوز العلمية وتعريف الجمهور بتاريخ المنطقة الجيولوجي. المعلومات التي تتيحها حفريات فوسفاط خريبكة فريدة من نوعها في العالم، ولم أرَ مثيلا لها طوال مساري العلمي الطويل في مجال الحفريات. كما أن التحقيقات العلمية المتواصلة في خريبكة لم تكشف فقط عن زواحف بحرية مفترسة، بل قادت أيضا إلى اكتشافات مهمة في عالم الثدييات.
الحفريات التي جُمعت تُحفظ في مراكش، وما زلتُ أواصل إدارة هذه المجموعة، بصفتي باحثا مشاركا في متحف مراكش، الذي يضم عينات فريدة من نوعها. وما زلت أُكوّن طلبة في هذا المجال، كما نتعاون مع باحثين وشركاء دوليين.
يعني ذلك أن رواسب الفوسفاط تروي تاريخ ملايين السنين؟
بالفعل، فهذه الرواسب تتحدث عن قصة تعود إلى 24 مليون سنة، من خلال مرحلتين أساسيتين: مرحلة نهاية الحقبة الجيولوجية التي كانت تعيش فيها الزواحف المائية العملاقة والزواحف الطائرة، ثم مرحلة الطيور والتماسيح والسلاحف. ومن اللافت أيضا أن الطيور في تلك الحقبة كانت تنتمي إلى أصناف الديناصورات اللحمية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع