اقتصاد
رغم المنع القانوني.. لماذا يقع مغاربة في فخ التسويق الهرمي؟
28/03/2026 - 19:13
وئام فراج
يواصل التسويق الهرمي بالمغرب تمدده في صيغ متجددة، منتقلا من دوائر ضيقة كانت تقتصر على الأصدقاء والأقارب إلى فضاءات أوسع تقودها المنصات الرقمية، ما ساهم في توسيع قاعدة الضحايا وتعقيد تتبع هذا النوع من الاحتيال.
كشف وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عن سقوط حوالي 1887 ضحية بسبب التسويق الهرمي الاحتيالي، في ظرف سنتين، وذلك بعد تسجيل أزيد من 180 قضية توبع من أجلها العشرات من المحتالين، وهي أرقام تعكس فقط الحالات المصرح بها، في ظل استمرار عزوف عدد من المتضررين عن التبليغ، وفق ما أكده رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، بوعزة الخراطي.
وسيلة نصب واحتيال
وأوضح الخراطي، في تصريح لـSNRTnews، أن القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك حسم منذ سنة 2011 في منع البيع الهرمي، باعتباره "وسيلة نصب واحتيال"، غير أن هذه الممارسات ما تزال مستمرة بفعل ضعف وعي المستهلكين وإغراء الربح السريع.
وتنص المادة 53 من القانون رقم 31.08 على أنه: “يمنع البيع بالشكل الهرمي أو بأي طريقة أخرى مماثلة، يتعلق خاصة بعرض منتجات أو سلع أو خدمات على المستهلك مع إغرائه بالحصول عليها بالمجان أو بسعر يقل عن قيمتها الحقيقية، كما يمنع اقتراح قيام المستهلك بجمع اشتراكات أو تقييد نفسه في قائمة مع إغرائه بالحصول على مكاسب مالية ناتجة عن تزايد هندسي لعدد الأشخاص المشتركين أو المقيدين". وهو ما يشكل الإطار المرجعي لتعريف هذه الممارسات وتجريمها.
وأوضح الخراطي أن هذا النوع من التسويق يقوم على استدراج الأفراد للانخراط في منظومة تشترط استقطاب مشتركين جدد مقابل وعود بأرباح متزايدة، حيث "كلما توسعت الشبكة ارتفعت الأرباح"، قبل أن يختفي القائمون على هذه المشاريع بعد تجميع مبالغ مالية مهمة، تاركين الضحايا دون تعويض. وأضاف أن عددا من القضايا المماثلة تم تسجيلها في مدن كبرى مثل مراكش وأكادير وطنجة والدار البيضاء.
وسجل المتحدث ذاته أن التحول الرقمي ساهم في إعطاء دفعة جديدة لهذه الممارسات، بعدما انتقلت من نطاق محدود إلى فضاء مفتوح يصعب ضبطه، مشبها إياه بـ”قطاع غير مهيكل” تغيب فيه الحماية القانونية الفعلية للمستهلك، وتكثر فيه شبهات النصب والتهرب الضريبي.
كما كشف أن الجامعة المغربية لحماية المستهلك توصلت بشكايات متعددة تتعلق بعمليات نصب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتراوح قيمتها بين ألفي درهم و100 ألف درهم، داعيا إلى ضرورة توخي الحذر وعدم الانخراط في أي نشاط غير مرخص، مع التأكيد على أهمية التبليغ للحد من تفشي هذه الظاهرة.
وأكد، في السياق ذاته، على ضرورة مساعدة السلطات على محاربة كافة أنواع الجرائم بما فيها الجريمة الاقتصادية التي تدخل فيها عمليات البيع الهرمي.
تطور مع المنصات الرقمية
من جانبه، اعتبر الباحث في علم الاجتماع ورئيس الهيئة الوطنية لحماية المستهلك، نبيل الصافي، أن التسويق الهرمي الاحتيالي يقوم أساسا على "بيع الثقة والأوهام" بدل تسويق منتج أو خدمة حقيقية، مشيرا إلى أن هذا النموذج يعتمد على توسيع قاعدة المشاركين بشكل متسلسل، حيث تتضخم القاعدة مقابل تضاؤل القمة.
وأوضح الصافي، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا النمط "غير مستقر" ويقوم على إقناع مستمر لمشتركين جدد بدفع مبلغ من المال مقابل وعود بأرباح خيالية، دون وجود نشاط اقتصادي حقيقي، ما يجعل قانونيته "مشبوهة" ويؤدي في النهاية إلى انهيار المنظومة بمجرد توقف تدفق المنخرطين.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا حاسما في انتشار هذه الظاهرة، إذ لم يعد التسويق الهرمي مقتصرا على العلاقات الشخصية، بل أصبح يستهدف جمهورا واسعا عبر إعلانات رقمية تستغل طموح الأفراد لتحقيق أرباح سريعة دون جهد أو رأسمال كبير.
التأكد من قانونية المشروع
وفي هذا الإطار، شدد الصافي على ضرورة التمييز بين التسويق المشروع القائم على بيع منتج أو خدمة، والتسويق الهرمي الاحتيالي الذي يقوم على استقطاب الأفراد فقط، مبرزا أن توسع هذه الشبكات يهدد الثقة داخل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
كما ذكّر بضرورة التأكد من قانونية أي جهة تدعو إلى استثمار الأموال، عبر التحقق من حصولها على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة، مثل بنك المغرب أو الهيئة المغربية لسوق الرساميل، محذرا من الانخراط في مشاريع غير واضحة المصدر أو النشاط.
ويجمع بوعزة الخراطي ونبيل الصافي على أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على تدخل السلطات، بل تتطلب أيضا رفع مستوى الوعي لدى المستهلكين، وتعزيز ثقافة التبليغ، خاصة في ظل بيئة رقمية باتت توفر أرضية خصبة لانتشار هذا النوع من الاحتيال المالي.
معالجة 135 قضية
يشار إلى أن المعطيات الرسمية التي تضمنها جواب وزير الداخلية كشفت عن معالجة 135 قضية من أصل 182 قضية مسجلة، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى 15 فبراير 2026.
وأفضت هذه العمليات إلى إيقاف وتقديم 137 مشتبها فيه أمام العدالة، فيما بلغ عدد الضحايا حوالي 1887 ضحية، وهو رقم يعكس الامتداد المتزايد لهذه الشبكات وتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي.
واعتمدت السلطات الأمنية، وفق المصدر ذاته، خطة عمل قائمة على مقاربة مزدوجة تجمع بين الوقاية والزجر، عبر تعبئة وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم المالية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
تكنولوجيا
مجتمع
اقتصاد