فن وثقافة
أفلام الفنون القتالية بين الشاشة العالمية والخيال المغربي
05/04/2026 - 11:37
إيمان الزيات
خلف أضواء شاشات السينما وقاعاتها المغلقة ظهر أبطال الفنون الحربية، خلال تسعينات القرن الماضي بالمغرب، كنماذج سينمائية شعبية، حملت بعدا رمزيا للصمود والعزيمة، وحققت شهرة واسعة بين مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، لتنال اهتمام المغاربة على مدى فترات طويلة.
بحثا عن نموذج شعبي تتجسد فيه معالم القوة وروح التحدي، وجد مغاربة العشاق لسحر شاشات السينما، بمختلف أجناسها من دراما و"أكشن"، ضالتهم في شخصيات آسيوية حظيت بشهرة واسعة، على رأسها شاروخان، الذي اتخذ الخيال سبيلا والقوة وسيلة لتجسيد صورة البطل الخارق الذي يحارب أعداءه بضراوة.
ومن شرق القارة، أطل الثنائي الصيني بروس لي وجاكي شان على العالم من نافذة رياضتي الكونغ فو والجيت كون دو، مقدّما نموذجا لتحدي النفس وقوة العزيمة وصلابة الإصرار، ومواجهة الصعاب لتحقيق الأهداف رغم صعوبة الطريق وكثرة التحديات.
تأثير النموذج الآسيوي على الشباب والسينما المغربية
وأثرت هذا الشخصيات بشكل كبير في المشهد السينمائي المغربي وأصبحت نموذجا للعمل والمثابرة لفئات واسعة من الشباب الذين وجدوا فيها صورة البطل المصمم على الانتصار المتيم بفنون الحرب كرياضة تتجاوز حدود الفضاءات الرياضية لتشمل مجالات مختلفة.
كما أصبح الإقبال متزايدا على أفلام الحركة ذات الإيقاع السريع والمشاهد القتالية المتقنة، وهو ما انعكس على اختيارات القاعات السينمائية وبرامج العرض التي باتت تراهن على هذا النوع من الإنتاجات لجذب فئات وشرائح أوسع من الجمهور المغربي.
كما خلقت هذه الموجة نوعا من الوعي البصري لدى المتلقي، الذي لم يعد يكتفي بالقصة فقط، بل أصبح أكثر اهتماما بجمالية الصورة، وتقنيات الإخراج، وواقعية الأداء.
قراءة نقدية في هذه الموجة الفنية
أكد الناقد والمخرج السينمائي عبد الإله الجواهري، في تصريح لـSNRTnews، أن أفلام الفنون القتالية ما تزال تحافظ على حضورها القوي في المشهد الفني المغربي والعالمي، بفضل ما تقدمه من إثارة وتشويق، سواء عبر الإنتاجات الآسيوية، خاصة القادمة من الصين الشعبية ودول جنوب شرق آسيا، أو من خلال تأثيرها المتبادل مع السينما الأمريكية والأوروبية والهندية، التي شهدت بدورها تحولا من الطابع الرومانسي إلى أفلام الحركة، كما يتجلى في بعض أعمال النجم "شاروخان".
وأوضح المتحدث ذاته، أن هذا النوع السينمائي يجد امتداده أيضا في المخيال الشعبي المغربي، الذي ظل تاريخيا مرتبطا بصور البطولة كما جسدتها الحكايات والأساطير، قبل أن يتطور هذا التصور مع دخول السينما، حيث ارتبط الجمهور بنجوم مصريين، هنديين وأمريكيين، وصولا إلى بروز نموذج جديد للبطولة مع أفلام الفنون القتالية.
وأشار الجواهري إلى أن هذا التحول تجسد بشكل واضح مع نجومية بروس لي وجاكي شان، حيث أصبح هذان الاسمان يمثلان لدى فئات واسعة، خاصة الشعبية، نموذجا للبطولة قائما على المواجهة المباشرة واسترجاع الحق بالقوة، في مقابل النهايات السلمية التي ميزت بعض الأعمال الكلاسيكية.
وأضاف الناقد السينمائي أن الانتشار الواسع لهذا النوع من الأفلام في المغرب، خاصة خلال سبعينيات القرن الماضي، ارتبط بالسياق العام الذي طبع تلك المرحلة، حيث ساهمت الأوضاع الاقتصادية والتوترات السياسية في جعل الجمهور أكثر انجذابا لأفلام الحركة، باعتبارها متنفسا يعكس تلك التحولات.
وختم بالتأكيد على أن أفلام الفنون القتالية، بما تتضمنه من جرعة عالية من الإثارة والعنف، شكلت وسيلة للتفريغ النفسي والهروب من ضغوط الواقع، وهو ما يفسر استمرار جاذبيتها عبر الأجيال، من أعمال مثل "The Big Boss" إلى تجارب لاحقة مع نجوم عالميين، مما يعكس استمرارية تأثير هذا النوع السينمائي في تشكيل الذوق الفني لدى الجمهور المغربي.
من سينما الكاراتي إلى تنوع الأنماط.. تحولات ذوق الجمهور المغربي
في السياق ذاته أكد الناقد السينمائي أحمد السجلماسي، في تصريح لـSNRTnews، أن القاعات السينمائية الشعبية في المغرب شهدت خلال ثمانينيات القرن الماضي انتشارا لافتا لأفلام الفنون القتالية، مدفوعة ببرمجة مزدوجة جمعت غالبا بين فيلم هندي وآخر من هونغ كونغ، في وقت بلغ فيه عدد القاعات السنيمائية حوالي 247 قاعة سنة 1985، واستقطبت أزيد من 40 مليون متفرج.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن الإيقاع السريع لهذه الأعمال وكثرة مشاهد الحركة فيها، ساهم بشكل كبير في جذب فئات جماهيرية مختلفة، وجدت في جاك شان وجون كلود ڤان دام، نماذج بطولية تجسد الانتصار على الظلم، والسعي إلى تحقيق العدالة ما وفر متنفسا نفسيا ومجالا للهروب المؤقت من قسوة الواقع.
وأضاف السجلماسي أن هذه التأثيرات لم تقتصر فقط على أفلام الكاراتي، بل امتدت إلى أعمال أخرى كأفلام "البيبلوم" المستلهمة من الأساطير اليونانية والتاريخ الروماني، التي كرّست صورة البطل القوي المدافع عن الضعفاء في مواجهة الطغاة، على غرار شخصيات هرقل وماسيست.
وأسهمت هذه الأنماط في تشكيل المخيال الشعبي حول "البطل المثالي"، حيث يجد المشاهد نوعا من التعويض الرمزي عن عجزه الواقعي أمام مظاهر القهر.
وختم أحمد السجلماسي بالإشارة إلى أن هذا التأثير تراجع كثيرا مع تطور السينما وتغير الأجيال، إذ لم يعد جيل الألفية الثالثة يتماشى بالقدر نفسه مع هذه النماذج، في ظل تنوع الإنتاجات الحديثة بين الخيال العلمي وأفلام الكوارث والحرب والكوميديا، وتعدد أذواق الجمهور واختلاف انتظاراته.
مقالات ذات صلة
رياضة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
عالم