مجتمع
المناظرة الوطنية للأرشيف تؤكد على إعادة تنظيم الذاكرة المكتوبة و تأمين حماية فعالة للوثائق
08/04/2026 - 16:01
يونس أباعلي | حمزة باموأوصى مشاركون في مناظرة حول الأرشيف إلى إعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالأرشيف، بما يضمن تأهيله ليضطلع بأدواره الحيوية في حفظ الذاكرة الوطنية و ومواكبة التحديات المتزايدة التي تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة.
نظمت مؤسسة "أرشيف المغرب"، مناظرة وطنية هي الأولى من نوعها حول الأرشيف في المغرب، اليوم الأربعاء 8 أبريل بمقر أكاديمية المملكة المغربية بالرباط.
تهدف هذه التظاهرة، التي حملت شعار "الأرشيف والتحولات الوطنية والدولية، أي تدبير جديد؟"، إلى فتح نقاش مهني وأكاديمي حول سبل تطوير قطاع الأرشيف ومواكبة المتغيرات الرقمية والتدبيرية الحديثة، على أساس إعداد خارطة طريق وطنية 2026–2036 لتدبير الأرشيف العمومي.
وتسعى المناظرة الأولى من نوعها إلى تعزيز مكانة الأرشيف كركيزة أساسية للحكامة والشفافية، وتحديد آفاقه الاستراتيجية، وتعزيز الحوار بين صناع القرار والباحثين والمهنيين، وهيكلة سياسة وطنية للأرشيف متكاملة، حديثة وشاملة، وكذا تثمين الأرشيف باعتباره تراثا مشتركا ورافعة للتنمية المستدامة، وتبادل التجارب وأفضل الممارسات في مجال تدبير الأرشيفات العمومية، وتشجيع الانتقال الرقمي في معالجة وحفظ الرصيد الأرشيفي.
توزعت أشغال المناظرة التي شارك فيها مسؤولون وخبراء مغاربة وأجانب، على جلسات موضوعاتية ناقشت مواضيع السياسة الوطنية لتدبير الأرشيف والأرشيف الجهوي والإطار القانوني للأرشيف، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والابتكار الأرشيفي، واالأرشيف والصناعات الثقافية والإبداعية.
وضع خارطة طريق
قال وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، إن الجهود انصبت على جعل هذه المناظرة وقفة للإحاطة بكل الجوانب اللازمة بوضع رؤية مندمجة للأرشيف تنمي أدواره التقليدية وفي الوقت نفسه تستشرف آفاقه المستقبلية ضمن رهانات الريادة الإقليمية والدولية التي تسعى بلادنا إلى ربحها.
وأضاف في كلمته أن للأرشيف، بمفهومه المتجدد في عالم المعلومات والبيانات والمعطيات، دورٌ استراتيجي ليلعبه في هذا المجال، كما أنه كان وسيظل عنصرا أساسيا من عناصر اقتصاد التراث والصناعات الثقافية والإبداعية.
وعبر عن التطلع إلى خروج هذه المناظرة الأولى بتوصيات تضع الأرشيف في صلب ورش الإصلاح المتواصل، وتقديم أفضل المقترحات التي ستمكن من وضع خطة جديدة لتدبير الأرشيف بالمغرب، تواكب تحولات الحاضر والمستقبل، وتندمج في الاستراتيجيات التنموية الوطنية.
إعادة افتحاص مجال الأرشيف في المغرب
من جهتها، ترى مديرة مؤسسة "أرشيف المغرب"، لطيفة مفتقر، أنه من الضروري إعادة افتحاص مجال الأرشيف بالمغرب، انطلاقا من ثلاثة معطيات أساسية، من شأنها إرساء منظومة حديثة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة وتعزيز الأدوار الاستراتيجية لهذا القطاع.
وأوضحت مفتقر، في كلمتها، أن المعطى الأول يرتبط بالطابع الأفقي للأرشيف، الذي يفرض انخراطا مؤسساتيا جماعيا، يفضي إلى بناء نظام متكامل لتدبير الوثائق. وشددت في هذا السياق على أهمية تمكين مؤسسة أرشيف المغرب من المكانة اللائقة، بما يؤهلها لقيادة تجربة مغربية رائدة في مجال الأرشيف على المستويين الوطني والدولي.
أما المعطى الثاني، فيتعلق بضرورة مواكبة التحولات الوطنية والدولية، من خلال تعزيز الوعي بأهمية الأرشيف وأبعاده المتعددة، التي لا تقتصر على حفظ الوثائق وإثباتها، بل تمتد لتشمل الإسهام في تدبير الحاضر، عبر تراكم الخبرة والتجربة المؤسسية.
وفي هذا الإطار، أبرزت المتحدثة أن الأرشيف يشكل منظومة متكاملة ومتجانسة، تساهم في دعم خيارات التنمية الشاملة، وتعزيز جاذبية السياحة الثقافية، إلى جانب دوره المحوري في الدفاع عن الحقوق التاريخية والقضايا الوطنية الكبرى، استنادًا إلى الوثائق والمراجع المؤرشفة.
وبخصوص المعطى الثالث، شددت مفتقر على أهمية مواكبة التحول التكنولوجي والرقمي، الذي أعاد تعريف الأرشيف في شكله التقليدي، مع بروز أنواع جديدة من الوثائق وحوامل رقمية متعددة.
وأشارت إلى أن هذا التحول أدى إلى تدفق كميات هائلة من المضامين إلى مجال الأرشيف، ما يطرح تحديات جديدة أمام المؤسسات المعنية، خاصة فيما يتعلق بمسؤوليات التدبير والحفظ والتأمين.
الأرشيف ورش وطني استراتيجي
من جهته، أبرز أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، الدكتور عبد الجليل لحجمري، أن المناظرة الوطنية حول الأرشيف لا تمثل مجرد لقاء أكاديمي عابر، بل تشكل ورشا وطنيا مفتوحا يعيد طرح سؤال الأرشيف في أبعاده الحضارية والسياسية والمؤسساتية، ويضعه في صميم النقاش العمومي باعتباره من القضايا المؤسسة لوعي المجتمع بتاريخه وتحولاته.
وأوضح المسؤول ذاته، في كلمته، أن الأرشيف لا يختزل في كونه مجرد رصيد من الوثائق المحفوظة داخل الرفوف والخزائن، بل يتجاوز ذلك ليشكل ذاكرة حية ونظاما متكاملا للمعرفة، فضلا عن كونه أداة من أدوات السيادة الوطنية. فمن خلاله، يضيف، توثق الأمم آثار قراراتها، وتضمن استمرارية مؤسساتها، وتوفر للباحثين والمفكرين والمؤرخين مادة أصلية لفهم ديناميات المجتمع والدولة.
وفي هذا السياق، اعتبر لحجمري أن تخصيص أول مناظرة وطنية لموضوع الأرشيف يعكس تحولا نوعيًا، يتمثل في انتقال هذا الملف من الهامش الإداري إلى صلب التفكير الاستراتيجي، بما يواكب التحولات التي يعرفها المغرب على مختلف المستويات.
وشدد المتحدث على الحاجة المستمرة إلى إعادة تنظيم الذاكرة المكتوبة، مع تأمين حماية فعالة للوثائق، مبرزا أن الأرشيف يشكل أطروحة وطنية لا تقل أهمية عن باقي الثروات الرمزية والمادية.
كما حذر من التحديات المتزايدة التي تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة، وما تطرحه من مخاطر تتعلق بضياع الوثائق أو تسربها أو تلفها، معتبرا أن مواجهة هذه الإكراهات تجعل من ورش الأرشيف ضرورة وطنية ملحة تستدعي تعبئة شاملة وتفكيرا جماعيا في سبل التدبير والتحديث.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
مجتمع
سياسة
فن و ثقافة