فن وثقافة
صاحب“ما أنا إلا بشر”.. عبد الوهاب الدكالي يرحل مخلفا إرثا لا يغيب
08/05/2026 - 23:25
خولة ازنيزني
ترجل عن صهوة الحياة صاحب “ما أنا إلا بشر”، عبد الوهاب الدكالي، تاركا خلفه صوتا ظل لعقود طويلة يعبر البيوت المغربية والعربية بهدوء العارفين بأسرار الطرب الأصيل.
لم يكن الدكالي مجرد فنان يعتلي الخشبة ويغني، بل كان فنانا استطاع أن يمنح الأغنية المغربية بعدا إنسانيا وجماليا عميقا، وأن يجعل من الكلمة واللحن مساحة للتأمل في الحب وأسئلة الحياة الكبرى.
وفي يوم الجمعة 8 ماي 2026، اسلمت الروح لبارئها بمدينة الدار البيضاء، لكن الأثر ظل ممتدا في ذاكرة أجيال كاملة تربت على أعماله. لكل أغنية من أغنيات الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي لونها الخاص ونبضها المتفرد، من “مرسول الحب” و”كان يا مكان” إلى “سوق البشرية” و”الثلث الخالي” و”حبيبي يا وطني”.
أكثر من 300 أغنية تركها الراحل وراءه، لم تكن مجرد أرشيف موسيقي، بل سيرة فنية عنوانها التميز، فيما كان صوته يرافق تلك التحولات بكثير من الشجن والرقي.
كان الدكالي من القلائل الذين عبرت أغانيهم الحدود، يصدر أعماله في المغرب فتجد طريقها إلى المشرق، تحفظ وتعاد وتتناقلها الأجيال، مثل أغنية “مرسول الحب” التي ظلت واحدة من أشهر ما قدمه في العالم العربي. لم يكن حضوره قائما على الانتشار السريع، بل على رسوخ فني جعل صوته جزءا من ذاكرة الطرب العربي الكلاسيكي.
حضور استثنائي
برحيل عبد الوهاب الدكالي، تطوى صفحة أحد أعمدة الأغنية المغربية الحديثة، بعدما عبر لأزيد من خمسة عقود مسارات الغناء والتلحين والتأليف الموسيقي بثبات الفنان المؤمن بقيمة الفن الأصيل. جمع في تجربته بين الزجل المغربي، واللغة العربية الفصحى، والموسيقى التي تنهل من الجذور المغربية بروح معاصرة، فصنع لنفسه مكانة خاصة بين عمالقة الطرب المغربي والعربي.
لم يكتف صاحب “حبيب الجماهير”، المزداد بفاس عام 1941، بفن واحد، بل اختار أن يفتح قلبه لكل أشكال التعبير، فكان موسيقيا ورساما وممثلا، يرى في الفن لغة واحدة متعددة الوجوه.
وهو الذي تشبع بمدينته التي تختزن عبق الموسيقى الأندلسية والروح الصوفية، حيث هناك تشكل وعيه الفني الأول، وتلقى منذ صغره دروسا في الموسيقى والتمثيل والرسم، فخرج مأخوذا بعالم الألوان والأصوات والصور.

وفي شهادة في حقه، يقول الموسيقار والملحن عبد الله عصامي إن علاقته بالراحل عبد الوهاب الدكالي لم تكن مجرد علاقة عمل، بل صداقة إنسانية وفنية امتدت لعقود طويلة، جمعت بينهما داخل الاستوديوهات وخارجها، وأسهمت في إنتاج أعمال موسيقية خالدة طبعت الذاكرة الفنية المغربية.
وأوضح عصامي، في تصريحه لـSNRTnews، أن بدايات التعارف بينهما تعود إلى مطلع ستينيات القرن الماضي، حين كان يشتغل ضمن جوق الراحل محمد بن عبد السلام، بعد تجربة انطلقت مع جوق “المنوعات” بالإذاعة المغربية سنة 1959، مضيفا أن لقاء حاسما جمعه بالدكالي بمدينة مراكش سنة 1962، أثناء التحضير لتسجيل أغنية من كلمات الراحل محمد حسن الجندي.
الفنان الذي عاش للفن
وأضاف أن عبد الوهاب الدكالي، فور استماعه إلى القطعة، أبدى إعجابه الكبير بها وقرر أداءها بصوته، لتخرج إلى الجمهور أغنية “كذبت نفسي”، التي شكلت إحدى المحطات البارزة في بداياته الفنية، ومنذ ذلك اللقاء نشأت بينهما علاقة صداقة قوية، تعززت لاحقا من خلال الاشتغال المشترك على عدد من الأعمال الموسيقية التي لقيت نجاحا واسعا، من بينها “حبيب الجماهير” و”المسؤولية”، إلى جانب أعمال أخرى داخل المجموعة الموسيقية التي جمعتهما.
وأشار صاحب “صوت الحسن” إلى أن العلاقة المهنية بينهما ازدادت عمقا خلال فترة توليه رئاسة جوق إذاعة الدار البيضاء، بعد تقاعد الموسيقار إبراهيم العلمي، حيث اشتغلا معا على تسجيل العديد من القطع الموسيقية، مبرزا أن الدكالي كان فنانا متكاملا يتمتع بحس إبداعي استثنائي، سواء في الغناء أو التلحين، خاصة خلال سبعينيات القرن الماضي التي شهدت تألقه الكبير كملحن أيضا.
وأكد عصامي أن الراحل ظل وفيا لعلاقاته الإنسانية، إذ استمرت بينهما أواصر المحبة والتواصل الدائم رغم مرور السنوات، مشيرا إلى أن آخر لقاء جمعهما كان قبل ثلاث سنوات، غير أن التواصل بينهما لم ينقطع، وكان كل واحد منهما يتابع أعمال الآخر ويشجعه باستمرار، مشددا على أن الدكالي لم يكن مجرد اسم فني، بل قامة موسيقية عربية وصل صيتها إلى مختلف البلدان العربية، حيث أعاد كبار الفنانين العرب أداء عدد من أغانيه، ما يعكس قيمة الإرث الفني الذي تركه وراءه، والذي سيظل حاضرا في وجدان الأجيال المقبلة.
"آخر القلاع الموسيقية"
من جهته، قال الفنان نعمان لحلو إن الساحة الفنية المغربية فقدت، برحيل عبد الوهاب الدكالي، “آخر القلاع الموسيقية الكبيرة”، واصفا الراحل بأنه كان فنانا عاشقا للإبداع وللمبدعين، وداعما دائما للأصوات والتجارب الفنية الجديدة.
وأوضح لحلو، في تصريح لـSNRTnews، أن أول لقاء جمعه بالدكالي كان سنة 1991، مباشرة بعد عودته إلى المغرب، لتنشأ بينهما منذ ذلك الحين علاقة إنسانية وفنية وثيقة، مضيفا أنه كان يناديه دائما بـ”أستاذي”، ليس فقط لأنه تعلم منه الكثير في الموسيقى، بل لأنه كان أيضا أستاذا في الحياة، بما يحمله من قيم إنسانية ورؤية فنية راقية.
وأكد صاحب “المدينة القديمة” أن علاقته بالراحل كانت استثنائية، يسودها التقدير والمحبة المتبادلة، مشيرا إلى أن آخر لقاء جمعهما كان مناسبة أهداه خلالها لوحة فنية “بورتريه” رسمها خصيصا له، في لحظة اختزلت عمق الروابط التي كانت تجمعهما.
وأضاف لحلو أن رحيل عبد الوهاب الدكالي لا يعني فقدان صوت من ذهب فقط، بل خسارة جزء من الذاكرة الفنية المغربية، باعتباره أحد الفنانين الذين منحوا الأغنية المغربية بعدا حضاريا وإنسانيا وجماليا عميقا، ورافقوا بأعمالهم أجيالا كاملة من المغاربة.
بدوره، قال الفنان والملحن عبد العالي الغاوي إن رحيل عبد الوهاب الدكالي يشكل خسارة كبيرة للأغنية المغربية، واصفا إياه بـ”قيدوم الأغنية المغربية وعميدها”، باعتباره واحدا من أبرز الفنانين الذين صنعوا مجد الأغنية الوطنية الحديثة وتركوا بصمة خالدة في وجدان المغاربة والعرب.
وأكد الغاوي، في تصريحه لـSNRTnews، أن الدكالي كان فنانا استثنائيا بكل المقاييس، إذ راكم خلال مسيرته الفنية أكثر من 300 أغنية، وظل محافظا على مكانته الفنية والجماهيرية لعقود طويلة، مضيفا أنه “بدأ نجما، وتوفي نجما، وسيبقى في قلوب محبيه نجما”، لما كان يتمتع به من حضور فني وإنساني راق، وحب كبير للحياة والفن.
وأوضح أن آخر لقاء جمعه بالراحل كان خلال شهر رمضان الماضي داخل نادي الفنانين المغاربة، حيث كان الدكالي حريصا دائما على مناقشة القضايا المرتبطة بالساحة الفنية والتحولات التي تعرفها الأغنية المغربية، مبرزا أنه ظل، بالنسبة إليه، بمثابة أستاذ ومرجع فني يمده بالنصائح والتوجيهات سواء في الفن أو في الحياة، خاصة ما يتعلق بضرورة الحفاظ على هوية الأغنية المغربية وأصالتها.

وأضاف الغاوي أنه أعاد أداء عدد من أغاني عبد الوهاب الدكالي، من بينها “مرسول الحب”، معتبرا أن الاقتراب من أعماله يشكل تحديا فنيا كبيرا بالنظر إلى قيمة هذه الأعمال وقوة حضورها لدى الجمهور، مشيرا إلى أن الراحل كان يعبر له دائما عن إعجابه بالنسخ التي يقدمها لأغانيه، مشددا على أنه مثال للفنان الأنيق في كلامه وهندامه وسلوكه وفنه، وهي الصورة التي ستظل راسخة في أذهان جمهوره وكل من عرفه عن قرب.
وتوقف الغاوي عند المذكرات الشخصية التي أصدرها الراحل مؤخرا بعنوان “ثلاثية الحب والفن”، والتي وثق من خلالها محطات من حياته الفنية والشخصية، معتبرا أن هذه السيرة لا تروي فقط مسار فنان، بل تقدم شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ المغرب وتحولات مجتمعه وثقافته الفنية.
كما استحضر المسار الفني المبكر لعبد الوهاب الدكالي، منذ بداياته بمدينة فاس، واهتمامه المبكر بالموسيقى والغناء، وصولا إلى سفره إلى مصر سنة 1962 بدافع شغفه بآلة العود، حيث التقى هناك بعدد من كبار رواد الفن العربي، من بينهم فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، إلى جانب الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي كان يعتبره أستاذا وملهما في تجربته الفنية.
ذاكرة لا تغادرها الموسيقى
يذكر أن ملامح عبد الوهاب الدكالي الفنية تشكلت داخل بيئة غنية، وهي المؤثرات التي ستطبع لاحقا مشروعه الموسيقي الخاص. ومع انتقاله إلى الدار البيضاء نهاية خمسينيات القرن الماضي، انفتح على وسط ثقافي وفني متحرك، واقترب من أسماء بارزة في المسرح والأدب، من بينها الطيب العلج، ليبدأ وعيه يتشكل بقوة الكلمة حين تعانق اللحن داخل عمل فني متكامل.

وسجل الدكالي أولى أغانيه سنة 1959، ليبرز منذ بداياته بصوت مختلف يميل إلى العمق والتأمل، وبأسلوب يبتعد عن الزخرفة، متجها نحو العاطفة الصادقة والبناء اللحني المركب. وبفضل ثقافته الموسيقية الواسعة، استطاع أن يمنح الأغنية المغربية بعدا عربيا أرحب، من خلال أعمال مزجت بين المقامات العربية والإيقاعات المغربية، فغنى له فنانون عرب كبار، ووصل صوته إلى مسارح ومهرجانات دولية عديدة.
وعرف الراحل أيضا بحضوره الإنساني الهادئ وابتعاده عن صخب الحياة الفنية، محافظا على صورة الفنان الذي يحمل مشروعه الجمالي بقدر كبير من الوقار والصرامة.
وخلال مسيرته، حصد عددا من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، من بينها الأسطوانة الذهبية عن “ما أنا إلا بشر”، والجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عن “كان يا مكان”، إلى جانب تتويجات أخرى بمهرجاني مراكش والقاهرة. كما خاض تجارب في المسرح والسينما والتلفزيون، وظل، حتى في سنوات ابتعاده عن الأضواء، حاضرا في وجدان المغاربة بأعمال قاومت الزمن، وبصوت ظل مأخوذا بإيقاع الإنسان وأسئلته العميقة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة