رياضة
الشغب الرياضي.. عنف يتجاوز الملاعب ويتمدد إلى الشوارع
11/05/2026 - 17:01
مراد كراخي
لم يعد الشغب الرياضي في المغرب مجرد سلوك ينفجر داخل المدرجات عقب هزيمة فريق أو قرار تحكيمي مثير للجدل، بل تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة تمتد إلى الشوارع والأحياء، مخلفة خسائر مادية وإصابات.
وأصبحت بعض المواجهات بين الجماهير تقع بعيدا عن الملاعب، وكانت مدينة الدار البيضاء قد شهدت، يوم الأحد 10 ماي 2026، آخر هذه الأحداث، بعدما تمكنت عناصر الشرطة من توقيف 3 أشخاص يشتبه في تورطهم في تبادل العنف المرتبط بالشغب الرياضي، باستعمال أسلحة بيضاء ورشق بالشهب النارية، وهي الوقائع التي وثقها شريط فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتكشف هذه الأحداث عن انتقال بعض الجماهير من دورها التقليدي في صناعة الفرجة والتشجيع داخل الملاعب، إلى تبني منطق "فرض النفوذ" واستعراض القوة عبر الدخول في صدامات مفتوحة مع مجموعات منافسة.
عنف ينتقل بين الملعب والشارع
يرى زكرياء لحرش، الدكتور في علوم التدبير الرياضي والأستاذ الباحث في ظواهر العنف الرياضي، أن الشغب "نوع من أنواع العنف التي تتمظهر داخل الملاعب وخارجها"، مؤكدا أن الظاهرة تتطور بتطور المجتمع نفسه، لأن "لكل مجتمع عنفه".
وأوضح لحرش، في تصريح لـSNRTnews، أن العنف الرياضي ليس محصورا داخل الفضاء الرياضي، بل يتغذى من مظاهر العنف اليومية الموجودة في الأسرة والمدرسة والشارع وحتى في الحياة العامة، مضيفا أن الملعب "جزء من السياق المجتمعي العام، وبالتالي، فمن الطبيعي أن ينتقل العنف من الملعب إلى الشارع والعكس صحيح".
وأشار المتحدث إلى أن المنافسة الحادة بين فصائل المشجعين، خصوصا مجموعات "الألتراس"، أصبحت تتجاوز حدود التشجيع الرياضي، لتتحول إلى صراعات مرتبطة بالهيمنة والتموقع بين الأحياء والمدن، وهو ما يفسر انتقال المواجهات إلى الشوارع والأحياء الشعبية.
كما اعتبر أن المقاربة الأمنية داخل الملاعب تدفع أحيانا إلى "ترحيل العنف" نحو فضاءات أخرى أقل مراقبة، حيث تصبح الأحياء والشوارع مسرحا لمواجهات يصعب التحكم فيها.
من جهته، أكد حسن قرنفل، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، أن ظاهرة الشغب الرياضي ترتبط أيضا بأوضاع اجتماعية واقتصادية معقدة يعيشها جزء من الشباب، خاصة الذين يوجدون خارج الدراسة أو التكوين أو سوق الشغل.
وأشار قرنفل، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن هؤلاء يجدون في بعض المباريات الرياضية فرصة لتفريغ الإحباط والعنف، أحيانا عبر تخريب الممتلكات العامة والخاصة.
أسباب متعددة
يرى زكرياء لحرش أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية ليست سببا مباشرا للشغب، لكنها تشكل بيئة مساعدة على تنامي الظاهرة، موضحا أن الأجواء المشحونة داخل الملاعب، وما يرافقها من توتر مرتبط بنتائج المباريات وقرارات الحكام، قد تدفع بعض الشباب إلى الانخراط في دوامة العنف التي تبدأ بمشادات كلامية وتنتهي أحيانا بمواجهات جسدية خطيرة.
وأشار الباحث إلى أن وجود حوالي 2,9 مليون شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج الدراسة أو التكوين أو العمل، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يساهم في خلق هشاشة اجتماعية تجعل بعض الفئات أكثر قابلية للانخراط في السلوك العنيف.
أما حسن قرنفل، فاعتبر أن الإقصاء الاجتماعي والشعور بالتهميش من أبرز العوامل المغذية للشغب، موضحا أن بعض الشباب يبحثون، من خلال الانتماء إلى مجموعات المشجعين، عن نوع من الاعتراف والهوية والانتماء الجماعي.
وشدد أستاذ علم الاجتماع على أن الظاهرة ليست خاصة بالمغرب، بل تعرفها عدة دول عبر العالم، غير أن مواجهتها تقتضي فهما عميقا لخلفياتها الاجتماعية والنفسية، وليس الاكتفاء فقط بالمقاربة الأمنية.
الوقاية ومحاربة الظاهرة.. نحو مقاربة شاملة
في ما يتعلق بسبل الحد من الشغب الرياضي، دعا زكرياء لحرش إلى اعتماد تدخلات متعددة المستويات، تجمع بين الإجراءات الآنية والحلول المتوسطة والبعيدة المدى.
وأكد أن أولى الخطوات تتمثل في مراجعة الترسانة القانونية المتعلقة بالشغب الرياضي، معتبرا أن "القانون 09-09 أصبح متجاوزا ويحتاج إلى تحيين يواكب تطور الظاهرة".
كما شدد على أهمية توظيف التكنولوجيات الرقمية في مراقبة المخالفين وتحسين التنظيم داخل الملاعب، سواء على مستوى توزيع التذاكر أو مراقبة الولوج والخروج أو رصد التجاوزات التنظيمية.
ودعا إلى إشراك المشجعين أنفسهم في العملية التنظيمية، واعتماد مقاربة استباقية تقوم على التواصل بدل الاكتفاء بردود الفعل الأمنية بعد وقوع الأحداث، إضافة إلى تعزيز التكوين المستمر لمختلف المتدخلين، من رجال الأمن والمنظمين وممثلي الأندية وشركات الأمن الخاص.
وعلى المدى البعيد، يرى لحرش أن الحل يمر عبر ترسيخ ثقافة رياضية سليمة داخل المؤسسات التعليمية، تقوم على تقبل نتائج المباريات ونشر قيم الروح الرياضية والتسامح.
من جانبه، شدد حسن قرنفل على أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لحماية الأشخاص والممتلكات، خصوصا بالنسبة للسكان القاطنين قرب الملاعب الذين يعيشون أحيانا أجواء من الخوف والرعب، لكنه أكد، في المقابل، أن الحل الحقيقي يظل رهينا بمعالجة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الشباب إلى الانخراط في العنف.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
رياضة
رياضة