مجتمع
الملل الإيجابي في زمن الشاشات.. كيف يشكل الفراغ حاضر الطفل ومستقبله؟
29/05/2026 - 18:19
خولة ازنيزني
في زمن أصبحت فيه الشاشات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للأطفال، من الهواتف الذكية إلى الألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو القصيرة، يلاحظ كثير من الآباء أن الطفل سرعان ما يبعد عنها حتى يشعر بالملل، ويبدأ في البحث عن أي وسيلة للعودة إليها. هذا الارتباط المتزايد بالمحتوى الرقمي يجعل الأطفال أقل قدرة على استثمار وقت الفراغ، ويضعف أحيانا قدرتهم على التخيل والاكتشاف الذاتي.
غير أن المختصين في التربية وعلم النفس يشيرون إلى أن الشعور بالملل ليس دائما أمرا سلبيا، بل يمكن أن يكون فرصة مهمة لنمو الطفل وتطوير مهاراته، فيما يُعرف بـ”الضجر الإيجابي"، فعندما لا يكون الطفل منشغلا بالمحفزات السريعة، يبدأ عقله في البحث عن بدائل، وهنا تنطلق شرارة الإبداع.
المتعة الفورية
فالطفل الذي يشعر بالملل قد يلجأ إلى الرسم، أو تركيب الألعاب، أو ابتكار قصص من خياله، أو حتى اكتشاف هوايات جديدة مثل الموسيقى أو القراءة أو الأشغال اليدوية. كما أن أوقات الفراغ تساعده على تطوير مهارات التفكير وحل المشكلات والاعتماد على النفس في خلق المتعة دون الحاجة إلى محتوى جاهز وسريع.
في هذا السياق، تقول الطبيبة المتخصصة في الصحة النفسية عند الطفل والمراهق سريا الدغمي: "إن الاستعمال المفرط للشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي يجعل الطفل معتادا على التحفيز السريع والمستمر، ما يؤدي تدريجيا إلى فقدان القدرة على تحمل لحظات الملل أو استثمار وقت الفراغ، ويجعل الدماغ مرتبطا بالمتعة الفورية، خصوصا الفيديوهات القصيرة."
وتوضح الدغمي، في تصريحها لـSNRTnews، أن هذا النمط من التحفيز المستمر يؤثر سلبا على قدرات الطفل في التركيز والانتباه والإبداع، لأن الدماغ يتلقى جرعات متواصلة من المتعة السريعة دون مجهود، ما يدفع الطفل إلى البحث الدائم عن التسلية الجاهزة بدل تنمية الخيال أو اكتشاف مهاراته الخاصة أو ممارسة أنشطة بديلة مثل الرسم والقراءة واللعب الحر.
وتشدد على أهمية وقت الفراغ، باعتباره عنصرا أساسيا في النمو النفسي والمعرفي، لأنه يمنح الطفل مساحة للتفكير والتأمل والخيال، ويتيح له اكتشاف اهتمامات مختلفة، مثل الفلك أو العلوم أو غيرها من مجالات البحث، في حين أن غياب هذه اللحظات الهادئة يضعف القدرة على الإبداع والتفاعل مع الواقع، ويسبب تأخر بعض المهارات، مثل التواصل وحل المشكلات في سن مبكرة، إضافة إلى تأخر المهارات الحركية الدقيقة والاجتماعية عند بعض الفئات.
وتضيف الدغمي أن الإفراط في استخدام الشاشات يجعل الطفل في حالة شبه “خمول ذهني”، ويضعف قدرته على الصبر، لأن الدماغ يبقى في حالة تحفيز دائم، مما قد يؤدي عند التوقف عن الاستخدام إلى العصبية والقلق وسرعة الغضب، حيث تقدم الشاشات تسلية مستمرة، ما يجعله أقل صبرا على اللحظات الهادئة أو الخالية من التحفيز.
الفراغ الإيجابي
وتلفت إلى أن من العلامات الشائعة لهذا الاستخدام المفرط إصرار الأطفال على الهواتف في أوقات الفراغ، مع ظهور عدم الصبر ومشاكل سلوكية، وازدياد العصبية ونوبات الغضب عند تقليل وقت الشاشة، وهو ما يجعل من الصعب على الآباء أحيانا ضبط هذا الاستعمال اليومي.
من جهتها، توضح الأخصائية النفسية أمل السبتي أن مرور الطفل من لحظات الفراغ إلى الإبداع يعد مسارا أساسيا لبناء مهاراته الذهنية، مشيرة إلى أن الدماغ في حاجة إلى وقت فارغ حقيقي، في حين يميل العديد من الآباء اليوم إلى ملء كل لحظات فراغ أطفالهم بالشاشات أو الأنشطة المنظمة، مما يحرم الطفل من مساحة ضرورية للخيال.
وتؤكد السبتي، في تصريحها لـSNRTnews، أن الفراغ لا يعني غياب النشاط، بل هو فضاء خصب يفتح المجال أمام الخيال، وهو ما تعتبره المهارة الأساسية التي تميز الطفل عن الراشد، إذ يساعده على بناء صور ذهنية عن العالم، التي تتحول لاحقا إلى إبداع ملموس من خلال الرسم، اللعب، الرياضة أو ابتكار أفكار جديدة.
وتضيف أن الدماغ علميا يستهلك طاقة ويحتاج إلى فترات راحة، حيث تسمح لحظات الفراغ بإعادة شحنه واستعادة توازنه، كما تتيح تفعيل “وضعية الراحة الذهنية” أو ما يعرف بشبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، وهي لحظة ينتقل فيها التفكير إلى الربط بين أفكار متفرقة وخلق روابط جديدة، ما يغذي الابتكار.
ومن الناحية التربوية، تشير السبتي إلى أن الملل يدفع الطفل إلى البحث عن حلول داخلية واكتشاف مهاراته الكامنة، بدل الاعتماد على محفزات خارجية جاهزة، فيصبح أكثر قدرة على الاستقلالية وصناعة الحكاية بدل استهلاكها، وتطوير مهاراته اليدوية والذهنية والتخيلية، بما يعزز شخصيته على المدى الطويل.
كما توضح أن وقت الفراغ يساعد الطفل على تعلم الجلوس مع نفسه، وبناء شخصية قوية غير مرتبطة بشكل مفرط بالأشياء أو الأشخاص، ما يعزز استقلاليته العاطفية والنفسية لاحقا.
وفي المقابل، تحذر من أن التعرض المفرط للشاشات في السنوات الأولى من العمر يؤثر على بنية الدماغ التي تكون في طور التشكل، حيث يؤدي الإفراط في التحفيز السريع إلى زيادة إفراز “الدوبامين” بشكل مستمر.
كما لفتت إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام الشاشات واضطرابات النوم، بسبب تأثير الضوء الأزرق على إفراز هرمون الميلاتونين، ما ينعكس على جودة النوم والمزاج والتركيز والتحصيل الدراسي.
أطفال اليوم أسرع شعورا بالملل
وتؤكد أن الأطفال اليوم أصبحوا أسرع شعورا بالملل مقارنة بالأجيال السابقة، بسبب الاعتياد على التحفيز السريع، ما يجعل الصبر أقل حضورا في سلوكهم اليومي، داعية إلى ترسيخ “ثقافة اقتصاد الانتباه” من خلال تعليم الطفل كيفية توجيه تركيزه بدل منعه من التكنولوجيا.
وترى أن الفرق بين طفل وآخر يكمن في طريقة توجيه الانتباه، لا في الحرمان من الشاشات، مشددة على ضرورة توفير بدائل مرتبطة بالخيال والإبداع، بدل استخدام الشاشات كتعويض دائم عن غياب الأهل أو انشغالهم، مع ضرورة أن يكون الوالدان قدوة في الاستخدام المعتدل للتكنولوجيا.
وتحذر أيضًا من لجوء بعض الآباء إلى الشاشات أو الهدايا لتغطية الغياب العاطفي أو الانشغال، بدل تشجيع الطفل على التجربة المباشرة والتفاعل مع محيطه، لما لذلك من أثر على نموه النفسي والاجتماعي.
تأثير على المهارات الاجتماعية
من جهته، يؤكد الخبير التربوي عبد الرحيم ليه أن الطفل في مراحل نموه الأولى يحتاج بشكل أساسي إلى التفاعل المباشر مع محيطه، باعتباره أساس بناء مهاراته اللغوية والاجتماعية والمعرفية.
يقول ليه لـSNRTnews: "إن التفاعلات المباشرة والأنشطة العملية ضرورية لنمو الأطفال المعرفي واللغوي السليم، لأنها تتيح لهم اكتساب المهارات الاجتماعية، وتحسين اللغة، وتعلم مهارات حل المشكلات والتفكير النقدي. لكن التعرض المطول للشاشات يقلل من هذه التجارب، ما قد يؤدي إلى تأخر في النمو".
ويشير إلى أن هذا النمط يرتبط أيضا بضعف المهارات الاجتماعية نتيجة قلة التفاعل الواقعي، إذ تُكتسب قراءة لغة الجسد والذكاء الاجتماعي من الاحتكاك المباشر وليس من العالم الافتراضي، وهو ما قد يرفع مستويات القلق والإحباط لدى بعض الأطفال والمراهقين.
ويضيف المتحدث أن أحد أبرز التحولات التي تم رصدها لدى الأطفال اليوم هو تغير طبيعة التواصل نفسه، حيث أصبح أكثر اختصارا وأقل تفاعلا، موضحا: "نلاحظ عند عدد من الأطفال أن طريقة تفاعلهم مع الآخرين أصبحت مختلفة، إذ يجيبون بكلمات مقتضبة دون تواصل بصري حقيقي، وقد يظهر عليهم الخمول أو العصبية أو سرعة الانفعال. "
ويحذر الخبير التربوي من أن هذا النمط من الاستخدام المفرط للشاشات لا ينعكس فقط على الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى جوانب متعددة من حياة الطفل، من بينها النوم والتركيز والتحصيل الدراسي، إضافة إلى الصحة النفسية والجسدية.
كما يشير ليه إلى أن من أبرز النتائج السلوكية لهذا الإفراط هو تراجع مهارات الإبداع والاستقلالية لدى الطفل، بسبب اعتماده المتزايد على المحتوى الجاهز بدل المبادرة الشخصية والاكتشاف الذاتي.
ويؤكد عبد الرحيم ليه أن مواجهة هذه التحديات لا تمر عبر المنع التام للشاشات، بل من خلال مقاربة تربوية متوازنة تقوم على التوعية والتأطير داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، مع تعزيز الأنشطة البديلة مثل القراءة والرياضة واللعب الحر والحوار الأسري، إضافة إلى وضع حدود زمنية واضحة لاستعمال الأجهزة الرقمية.
ويختم الخبير التربوي بالتأكيد على أن التحدي اليوم لا يتعلق فقط بمدة استخدام الشاشات، بل بكيفية توجيه انتباه الطفل ومساعدته على تطوير مهاراته في التفكير والتفاعل، بما يضمن نموا سليما ومتوازنا في بيئة رقمية متسارعة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
عالم
فن و ثقافة
عالم