مجتمع
البكالوريا في زمن التحولات.. هل مازالت تحتفظ بقيمتها الاجتماعية؟
31/05/2026 - 13:28
وئام فراج
مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية، يتجدد النقاش حول قيمة شهادة البكالوريا ودورها في رسم المسارات الدراسية والمهنية. فهذه المحطة، التي تشكل ذروة المسار الثانوي التأهيلي، لم تعد تُقرأ فقط كاختبار للمعارف المكتسبة، بل كمرآة تعكس التحولات التي تعرفها المدرسة المغربية وعلاقتها بسوق الشغل وتوقعات المجتمع.
رغم أن شهادة البكالوريا ما تزال تشكل محطة مفصلية في المسار الدراسي للتلاميذ، إلا أن قيمتها الاجتماعية والرمزية تعرف تحولات عميقة، بفعل تغيرات في بنية التعليم وسوق الشغل، وتغير تمثلات المجتمع حول النجاح والمسار المهني، وفق ما أكده خبراء تربويون.
"تأشيرة نحو المستقبل"
في هذا السياق، أوضح الخبير التربوي عبد العزيز سنهجي أن البكالوريا انتقلت من كونها "تأشيرة نحو المستقبل" ورمزا قويا للترقي الاجتماعي والمهني، إلى شهادة فقدت جزءً من رمزيتها التقليدية.
وأوضح سنهجي، في تصريح لـSNRTnews، أن البكالوريا كانت تشكل في الماضي حدثا استثنائيا في المخيال الجماعي، ومن يحصل عليها يحظى بمكانة اجتماعية معتبرة، "كما كانت فرص متابعة الدراسة أو الولوج إلى الوظيفة شبه مضمونة نسبيا، لكون عدد الحاصلين عليها كان محدودا، ولأن الاقتصاد والإدارة كانا قادرين على استيعاب جزء مهم من الخريجين".
أما اليوم، يضيف الكاتب والخبير التربوي، فقد توسع الولوج إلى التعليم بشكل كبير، وأصبح عدد الحاصلين على البكالوريا مرتفعا، دون أن يواكب ذلك تحول اقتصادي قادر على توفير فرص شغل كافية.
ولفت إلى أن "ارتفاع عدد الشهادات يقابله ارتفاع عدد العاطلين، مما جعل كثيرا من الأسر والتلاميذ يشعرون بأن البكالوريا لم تعد تضمن المستقبل كما كانت في الماضي".
تغير مفهوم النجاح
من جهة أخرى، تطرق سنهجي إلى أزمة الهدر الجامعي التي عمقت، بحسبه، هذا الإحساس، قائلا إن "عددا كبيرا من الطلبة يلجون الجامعة دون امتلاك مشروع شخصي ومهني واضح، أو استعداد معرفي ومنهجي حقيقي، فيصطدمون بالاكتظاظ، وضعف التأطير، وصعوبة مسايرة متطلبات التخصصات، أو غياب الأفق المهني، لينتهي الأمر بهم أحيانا بتغيير التخصص كليا، أو بانقطاع عدد مهم منهم عن الدراسة، أو الحصول على شهادات لا تفتح أبواب الإدماج بسهولة".
وذهب الخبير التربوي إلى أن تغير "صورة الامتحان" أثرت كذلك على قيمة البكالوريا، بحيث كانت ترتبط بالصرامة والهيبة والاجتهاد الفردي، "بينما أصبحت اليوم تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالغش، واستعمال التكنولوجيا الحديثة بطرق غير مشروعة"، لافتا إلى أن هذا التحول "أثر على تمثل المجتمع لقيمة الشهادة، رغم استمرار تفوق فئات من التلاميذ المجتهدين الذين يحققون نتائج مستحقة".
وشدد سنهجي على أن النجاح، في الوقت الحالي، بات مرتبطا بالكفايات الشخصية واللغات والمهارات الحياتية والرقمية، والقدرة على التكيف، وبناء مشروع مهني مرن يستوعب الإكراهات ويستشرف المفاجآت.
ويرى أن التحدي لم يعد يقتصر على النجاح في البكالوريا بل في "كيف نجعل من المدرسة والجامعة فضاء لبناء الإنسان القادر على إيجاد مكانه داخل عالم سريع التحول".
حاجيات سوق الشغل
من جهته، يؤكد المستشار في التوجيه المدرسي حسن أحنيش أن تقييم قيمة البكالوريا لا يمكن أن ينفصل عن مدى إدماج حامليها في سوق الشغل، باعتبار أن النسبة الفعلية للإدماج أصبحت معيارا أساسيا في تقييم فعالية المنظومة التعليمية، ومدى ملاءمة ما يُدرّس مع حاجيات الاقتصاد.
وأضاف أحنيش، في تصريح لـSNRTnews، أن عددا من التغيرات التقنية والبيداغوجية، من بينها اعتماد معدل المراقبة المستمرة بنسبة 25 في المائة في احتساب المعدل العام، ساهمت في إعادة تشكيل دلالة النتائج، حيث أفرزت في بعض الحالات تباينا بين أداء التلاميذ في الامتحان الوطني ونتائجهم في المراقبة المستمرة.
كما أشار إلى أن التحولات المجتمعية غيّرت بدورها تمثل النجاح الدراسي، إذ لم تعد البكالوريا في حد ذاتها كافية لولوج عدد من المعاهد ذات الاستقطاب المحدود، التي أصبحت تعتمد معدلات مرتفعة، ما جعل "الفرحة" مرتبطة أحيانا بالمعدل أكثر من الشهادة نفسها.
كفاءات جديدة
ويرى أحنيش أن سوق الشغل بدوره أصبح أكثر تعقيدا، في ظل تطور الذكاء الاصطناعي وتغير طبيعة المهن، حيث ستندثر بعض الوظائف وتتحول أخرى بشكل جذري، ما يستدعي تطوير آليات التوجيه والانتقاء والتنبؤ بالمهن المستقبلية، وهي آليات ما تزال محدودة في السياق المغربي.
كما أبرز أن اختزال النجاح الدراسي في مسارات تقليدية مثل الطب والهندسة يعكس بدوره فجوة في التوجيه المدرسي، في وقت تتطلب فيه التحولات الحالية كفاءات جديدة، ومهارات متعددة، وقدرة على التكيف مع سوق شغل سريع التغير.
ويؤكد الخبيران أن البكالوريا لم تفقد أهميتها كمدخل أساسي للتعليم العالي، لكنها لم تعد، في السياق الحالي، تحمل نفس الحمولة الاجتماعية والوظيفية التي كانت تميزها في السابق، في ظل تحولات تمس التعليم والاقتصاد معا، وتعيد تعريف معنى "النجاح" و"القيمة" في المسار الدراسي.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
مجتمع
مجتمع
مجتمع