سياسة
الأحزاب والانتخابات.. هل ستنتصر حسابات الفوز على شعارات تمكين النساء؟
28/07/2026 - 09:32
يونس أباعلي
يعود الجدل حول تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة إلى الواجهة مع اقتراب الانتخابات، بعدما كشفت التزكيات واللوائح المُعلنة عنها عن استمرار حضور نسائي محدود في الدوائر الانتخابية المحلية.
وبينما ترفع الأحزاب السياسية شعارات المناصفة وتمكين المرأة من ولوج مراكز القرار، يؤكد المتتبعون أن هذه الالتزامات لا تنعكس على مستوى الترشيحات الفعلية.
ويلاحظ، في هذا السياق، أن عددا من التنظيمات السياسية ما زالت تتعامل مع التمثيلية النسائية من خلال منطق "اللوائح المضمونة" أكثر من اعتمادها على التنافس في الدوائر المحلية، إذ غالبا ما تتجه نحو ترشيح نساء في اللوائح الجهوية، مع التركيز في بعض الأحيان على شخصيات معروفة إعلاميا أو فنيا أو ذات حضور عمومي بارز، بدل الاستثمار في تكوين وتأهيل نخب نسائية حزبية قادرة على خوض المعارك الانتخابية المحلية.
من "الكوط"ا إلى اللوائح الجهوية
شهد النظام الانتخابي خلال السنوات الأخيرة تعديلات مهمة تروم تعزيز حضور النساء داخل مجلس النواب. ومن أبرز هذه الإصلاحات إلغاء الدائرة الانتخابية الوطنية وتعويضها بدوائر انتخابية جهوية.
وبموجب القانون التنظيمي رقم 04.21 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، أصبحت لوائح الترشيح الجهوية ملزمة بتضمين مترشحات لا يقل عددهن عن ثلثي المقاعد المخصصة لكل دائرة جهوية، مع تخصيص المرتبتين الأولى والثانية في كل لائحة للنساء حصريا.
وساهم هذا الإجراء في الحفاظ على حد أدنى من التمثيلية النسائية داخل الغرفة الأولى، غير أن العديد من الباحثين في قضايا النوع الاجتماعي يعتبرون أن تحقيق المناصفة الفعلية يظل رهينا بتمكين النساء من المنافسة في الدوائر المحلية، باعتبارها المجال الحقيقي لقياس مدى ثقة الأحزاب في كفاءاتهن السياسية وقدرتهن على استقطاب الأصوات.
خديجة الزومي: الأحزاب تراهن على النساء كمصوتات لا كمرشحات
عبرت البرلمانية خديجة الزومي، رئيسة منظمة المرأة الاستقلالية، عن استيائها من ضعف الحضور النسائي ضمن الترشيحات المعلنة، معتبرة أن الواقع الحالي لا ينسجم مع الخطاب السياسي الذي ترفعه الأحزاب بشأن تمكين المرأة.
وأكدت الزومي لـSNRTnews أن مستوى حضور النساء في الترشيحات "لم يصل إلى سقف الطموحات"، مضيفة أن الرهان كان معقودا على الأحزاب الكبرى من أجل الدفع بعدد أكبر من المرشحات، غير أن ذلك لم يتحقق بسبب غياب الثقة الكافية في الكفاءات النسائية.
وترى أن الأحزاب السياسية تتعامل مع النساء في كثير من الأحيان باعتبارهن مصوتات أكثر من كونهن فاعلات سياسيات قادرات على تحمل المسؤولية التمثيلية، مشددة على أن المرأة ليست ترفا سياسيا أو عنصرا تكميليا، بل فاعلا أساسيا في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي وترسيخ المشاركة السياسية.
الزومي لم تخف قلقها مما وصفته "ترسخ ثقافة الاتكال على اللوائح الجهوية لدى جزء من النخب النسائية"، معتبرة أن بعض المرشحات أصبحن ينظرن إلى هذه اللوائح باعتبارها "بوابة عبور" للوصول إلى البرلمان.
وأشارت إلى أن هناك من يبرر العزوف عن خوض المنافسة المحلية بارتفاع تكاليف الحملات الانتخابية وصعوبة تدبيرها ماليا، غير أنها شددت على أن النضال السياسي لا يمكن أن يستمر عبر منطق الامتيازات أو ما وصفته بـ"الريع السياسي"، داعية إلى تعزيز حضور النساء في المنافسة المباشرة داخل الدوائر المحلية.
كما وجهت نداء إلى الأحزاب لتحمل مسؤوليتها تجاه مناضلاتها وتمكينهن من فرص حقيقية للتنافس، بدل حصر حضورهن في اللوائح الجهوية.
تحديات بنيوية تعيق صعود القيادات النسائية
يؤكد مختصون أن تحقيق المناصفة السياسية لا يرتبط فقط بسن القوانين أو فرض نسب تمثيلية محددة، بل يتطلب أيضا إعادة النظر في آليات اختيار المرشحين داخل الأحزاب، وتوفير مواكبة سياسية وتنظيمية للنساء الراغبات في خوض الانتخابات، فضلا عن تعزيز ثقة الناخبين في الكفاءات النسائية.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في العلوم السياسية محمد شقير أن الإلحاح المتكرر للأحزاب على قضية التمثيلية النسائية يرتبط بجملة من التحولات التي شهدها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا التوجه يستند إلى المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المرأة داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة، من خلال أدوارها المتعددة ومساهمتها الفاعلة في مختلف مجالات التنمية.
أما العامل الثاني، بحسب شقير، فيرتبط بالإرادة السياسية التي عبرت عنها الدولة المغربية في اتجاه توسيع مشاركة النساء في الحياة العامة، لاسيما خلال عهد جلالة الملك محمد السادس.
وقد تُرجمت هذه الإرادة عبر مجموعة من الإجراءات والإصلاحات الاستراتيجية، من بينها التنصيص الدستوري على مبدأ المناصفة، فضلا عن الإصلاحات الاجتماعية التي همّت مدونة الأسرة، والتي تخضع حاليا لمراجعة جديدة بهدف ملاءمتها مع التحولات التي عرفها وضع المرأة داخل المجتمع المغربي.
ويستند هذا التوجه إلى مقتضيات الفصل 19 من الدستور المغربي، الذي يكرس مبدأ المساواة بين النساء والرجال في التمتع بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما يربط هذه الحقوق بما تنص عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية المصادق عليها من قبل المغرب، في إطار احترام أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.
غير أن الباحث يلفت إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة داخل الأحزاب السياسية. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تصبح أولوية العديد من التنظيمات الحزبية منصبة على تعزيز فرص الفوز وحصد أكبر عدد من المقاعد البرلمانية والمحلية، ما يدفعها إلى تفضيل المرشحين الذكور، خصوصا الأعيان منهم، بالنظر إلى ما يمتلكونه من رأسمال رمزي ونفوذ محلي وشبكات علاقات واسعة تعزز حظوظهم الانتخابية.
ويضيف شقير أن هذه الحسابات الانتخابية تتغذى أيضا من تمثلات سائدة داخل الحقل الانتخابي نفسه، حيث يُنظر إلى النساء، رغم كونهن يشكلن خزانا انتخابيا مهما، باعتبارهن أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمرشحين الرجال. ونتيجة لذلك، غالبا ما تتردد القيادات الحزبية في الدفع بمرشحات في الدوائر التنافسية، مفضلة حصر حضورهن في اللوائح الجهوية المرتبطة بنظام "الكوطا"، باعتباره آلية تضمن الحد الأدنى من التمثيلية النسائية.
كما يبرز الباحث عاملا آخر يفسر استمرار ضعف الحضور النسائي في مواقع الترشح، ويتمثل في الطبيعة الذكورية السائدة داخل هياكل القيادة الحزبية. فهذه البنية، بحسب تعبيره، تعيد إنتاج نفسها باستمرار من خلال ما يسميه بـ"التماهي الجنسي"، حيث تميل القيادات التي يهيمن عليها الرجال إلى منح التزكيات وترتيب لوائح الترشيح بشكل يفضّل المرشحين الذكور، الأمر الذي يحد من فرص النساء في الوصول إلى مواقع التنافس الانتخابي الفعلي، رغم الخطاب السياسي الداعم لمشاركتهن.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة