فن و ثقافة
عبد الرؤوف .. رحلة عمر في 90 دقيقة
03/01/2023 - 12:04
يونس الخراشي
لم أصدق، أول الأمر، أن الرجل الذي كان يجلس بمفرده في المقطورة، هو نفسه عبدالرؤوف. كنت أبحث لنفسي عن مقعد مريح، لأمضي رحلتي من الرباط إلى البيضاء، في تلك الظهيرة من سنة 2003 أو 2004 على الأرجح، بهدوء وأقرأ جرائدي دون إزعاج، إذ بي أرقب شكلا لرجل مشهور، تمنيت يوما أن أراه خارج الشاشة الصغيرة، حتى أعرف من هو حقا، وكيف يكون بدون لباسه في المسرح، وهل هو فعلا رجل سعيد، مثلما كنت أظن.
لم أستطع أن أمسك نفسي عن السلام عليه، وقلت:"السلام على سي عبدالرؤوف، نهار كبير هذا". رد علي التحية، بشيء من التذمر البائن على وجهه الصغير، بحاجبيه الكثيفين، وتلكما العينين، اللتين يعرفهما كل المغاربة جيدا، لا تكادان ترتفعان نحوي. وحين سألته:"هل يمكنني الجلوس إلى جانبك إن سمحت؟". قال:"تفضل يا ولدي. مرحبا بيك".
في لحظة تالية، وقد عرفته بنفسي، وقلت له إنني أحبه كثيرا، مثل كل المغاربة، أبحر بنا الكلام، فلم نعد ندري أين نحن، ولا أين وصل بنا القطار، ولا إن هو ماض أم توقف، ولا إن كانت مقطورتنا ما تزال فارغة أم دخلها مسافرون آخرون. ابتسم الرجل، الذي بدا أكبر بكثير مما في ذاكرتي، وبهزال واضح على جسمه، ولكن بإيمان عجيب، وروح وثابة، وثقة في النفس، وقال لي:"أولا أنا ما سميش عبدالرؤوف، اسمي عبدالرحيم التونسي".
اعتذرت له. وسرعان ما قبل اعتذاري، ووضع يديه على الخشبة التي بيننا، دليل القبول بي ضيفا غير ثقيل. وراح يرد على أسئلتي بأريحية لم أتوقعها مطلقا. وكأن الرجل كان في انتظاري ليحكي لي عن سيرته. أو لعله سحر الرحلات، كل الرحلات، التي تجعل الناس ينطلقون في القول ما أن يذهبوا في سفر، طال أو قصر، دون أي خشية على أسرارهم، أو لأنهم يشعرون بأنها فرصتهم كي يتخلصوا مما في صدورهم، بما أن المنصت عابر.
قال لي بصوت فيه بحة، لم ألمح فيه أي شبه بذلك الذي ظل يستعمله في مسرحياته:"بدأت رحلتي مع التمثيل في السجن. نعم في السجن". كررها وهو يلمح في وجهي اندهاشا، وأوضح:"كنت صغيرا جدا، ورحت أساهم بدوري في النضال ضد المستعمر، ليلقى علي القبض، وأقضي عقوبة في السجن. هناك التقيت بأشخاص شاركوني سجني ينشغلون بالتمثيل. لم يكن تمثيلا بمعنى الكلمة، غير أنهم كانوا متأثرين، مثلي، بالفرق التي كانت تنشط حينها، وعلى الخصوص بالمعطي البيضاوي والحبيب القدميري، اللذين أثرا في الجيل الأول بأكمله".
كان لدي أكثر من سؤال حينها، غير أن الرجل بدا منطلقا، ويريد الاسترسال، فتركته يكمل كلامه، قائلا، وكأنه يرد على ما يجول بخاطري:"كان هؤلاء الشباب، معي في السجن، يحتاجون إلى شخصية لإحدى تمثيلياتهم، وطلبوا مني أن أشاركهم. ولم يكن أمامي من خيار، عساي أنشغل معهم عن قبح الزنزانة ومكاره الحبس. فاختاروا لي دورا لرجل كبير في السن، وألبسوني بعض المتلاشيات، التي أظهرتني، تقريبا، مثلما سأبدو عليه في ما بعد، بسروال قندريصي وقميص فضفاضين، والطاقية كذلك (استعمل البابيون الكبير جدا أيضا وماكياج خاص به). ولأنني أعجبت بما كنا ننجزه حينها، فقد تمكن التمثيل من قلبي".
كانت البداية عجيبة حقا. اكتشاف أب الفكاهة المغربية لموهبته في السجن، وليس على خشبة المسرح. ومضى الحديث، فيما القطار يسير برحلتنا إلى محطة الدارالبيضاء الميناء، إذ قال لي الفنان الراحل، رحمة الله عليه، إنه وهو يغادر السجن، سيطلب منه أن يستمر مع من شاركوه حبسه في فن التمثيل. ولم يكن ليرفض ذلك، وإن كانت الحياة ستطلب منه، وهو الذي يحتاج إلى أن يساعد في كفالة الأسرة، في غياب الأب، المتوفى، أن يتحرك في عدة اتجاهات ليضمن قوت يومه. فالتمثيل، ولاسيما في تلك الأثناء، لم يكن مربحا، ويحتاج إلى تضحيات كبيرة جدا.
ورغم أن عبدالرحيم التونسي سيشتغل، في وقت لاحق، في شركة صوميكا لتركيب أجزاء السيارات، إلا أن ذلك لم يمنعه من الانطلاق شهابا فكاهيا ثاقبا على ركوح المسرح المغربي، بل على العكس من ذلك تماما، إذ سيصير نجمها، في وقت قياسي، لاسيما وقد تشكلت شخصيته الأثيرة؛ عبدالرؤوف، ذلك الشخص الساذج، الذي استثمره التونسي، بفعل تجربته في الحياة، وثقافته المسرحية، ومعرفته بمعادن الناس، في قول الحقائق بسخرية، وتمرير رسائله، مهما كانت مريرة وعسيرة، بشكل عفوي، ولكن متقن، ومدروس، وبالأساس، مضحك جدا، ولكل الفئات المجتمعية، ولكل الأعمار أيضا.
ثم سيصبح التونسي؛ رحمه الله، أشهر من نار على علم وهو يطل على المغاربة من الشاشة الصغيرة، التي أدخلته إلى البيوت وقلوب من بالبيوت. وسيحبه الناس، فيقبلون على شراء أقراصه، ثم كاسيطاته، دون أن يفلتوا أي فرصة لزيارة المسارح حيث سيبرز، مثل أي نجم عالمي كبير جدا، بهيبة لا تضاهى، وقدرة خارقة على الأداء الرفيع، والإضحاك بدون إسفاف، وبصورة المغربي القح، الذي ينهل من الدارجة البسيطة للغاية، تلك التي يجد فيها كل مغربي نفسه، وحياته اليومية، لاسيما وأنه كان جوالا بحق، حتى إنه زار كل الأقاليم تقريبا، ومثل أمام أفراد القوات المسلحة الملكية المرابطة بالصحراء المغربية، أيضا.
عندما كان عبدالرحيم التونسي يواصل حكيه، ويتكلم بعفوية، ويطيل في سرد القصص عن حياته، وكيف أنه عانى كثيرا، وبلا تشكٍّ، لأن الحياة بطبيعتها تحتاج إلى صبر وجهد كي يصل المرء إلى تحقيق أحلامه، وبخاصة لرجل مثله زاوج بين المسرح والدراما التلفزيونية والسينما، فضلا عن أنه كان يكتب بنفسه، ويدير فرقته، ويدبر شؤون البيت، ويتعين عليه الالتزام بالمواعيد؛ أيا كان وضعه الصحي والنفسي والمادي، بدأت أستعشر نهاية الرحلة إلى الدارالبيضاء، وفي حلقي سؤال لا بد أن أطرحه، مهما كان.
شكرت سي عبدالرحيم التونسي على تلك اللحظات الممتعة، التي منحها إلي بتفضل كبير، واعتذرت له مرة أخرى لأنني ناديته بعبدالرؤوف عوض أن أسميه باسمه. وقلت له:"بالله عليك، سي التونسي، أنت أضحكت أجيالا، وستضحك أجيالا كثيرة. ولكن، قل لي، كيف تضحك أنت؟". وأخيرا، ضحك الراحل، رحمة الله عليه، ولعله أعجب بالسؤال. قال لي:"شوف أولدي، عندي جوج روجيسترات (سجلان كبيران)، كنت كلما سمعت نكتة، أو طرفة، أو قرأت شيئا مضحكا في كتاب، إلا وبادرت إلى تسجيل ذلك فيهما. وحينما أجدني قلقا، أو مغتاظا، أو بمزاج سيء، أو فقط أريد أن أستريح، أو أضحك، أو فقط أخلد إلى النوم، افتح أحدهما، وأشرع في القراءة، فلا أكف عن الضحك"، وقال لي حديثا عن إدخال السرور على الناس، وفضله وأجره، ثم انتهى اللقاء دون أن ينتهي الشوق إليه.
رحم الله سي عبدالرحيم التونسي، وأبقى عبدالرؤوف شامخا في الذاكرة، حيا في القلوب، ومحبوبا من لدن الجميع.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
الأنشطة الملكية
فن و ثقافة
فن و ثقافة