رياضة
عويطة .. كرونولوجيا البداية والذهب الأولمبي
24/07/2024 - 10:06
صلاح الكومري
في صيف سنة 1984، وبالضبط يوم 11 غشت، خلال الألعاب الأولمبية بلوس أنجلس، سيصبح اسم سعيد عويطة يتردد في كل البيوت المغربية خلال تتويجه بأول ميدالية ذهبية في تاريخ المغرب في فئة الذكور، بل إنه صار، وقتذاك، رمزا رياضيا يقتدى به، محليا ودوليا، حتى إن كثيرا من الآباء اختاروا لمواليدهم اسم سعيد تيمنا بعويطة، الذي لقب، وقتذاك، بـ"القطار السريع"، و"الأسطورة".
في 11 غشت 1984، ستتغير حياة عوطية 180 درجة خلال تتويجه بأول ميدالية ذهبية في تاريخ مشاركة المغرب في الألعاب الأولمبية، وبالضبط خلال المشاركة السادسة للمملكة في هذه التظاهرة العالمية، إذ سيصبح ملهم فئة كبيرة من الشعب المغربي وقتذاك، وسيصير اسمه مرادفا لأي نجاح أو تألق محلي، وسيفتح باب التألق أمام الرياضيين المغاربة من بعده.
من كرة القدم إلى ألعاب القوى
شاء القدر أن يرتمي عوطية، ابن مدينة القنيطرة، إلى ألعاب القوى في مجال سباق المسافات المتوسطة والطويلة، بعدما كان مولعا بكرة القدم، وكان حلمه، وهو لاعبا في أكاديمية المغرب الفاسي لكرة القدم، تحت إشراف المدرب الراحل عبد العزيز الدباغ، أن يصير مثل نجوم ألهوه حب اللعبة، على غرار الألماني فرانز بيكنباور، قدوته آنذاك.
يحكي عوطية أنه بتوصية من الراحل عبد العزيز الدباغ، قرر الانتقال من ممارسة كرة القدم إلى ألعاب القوى، يقول (في برنامج سمر رياضي على القناة المغربية الأولى)، إن الراحل المدرب عبد العزيز الدباغ نصحه بالإهتمام أكثر بألعاب القوى مادام قادرا على التألق في رياضات الجري.
إضافة إلى المدرب عبد العزيز الدفاغ، الذي له الفضل في بروز سعيد عوطية في ألعاب القوى، فإن الرياضة المدرسية، ساهمت، وقتذاك، في صقل موهبته وتأطيرها، يقول عويطة: "الفضل في الأساس يعود إلى الرياضة المدرسية التي أنجبت الكثير من الأبطال الرياضيين، تقريبا الكثير من الأبطال الأولمبيين مروا عبر الرياضة المدرسية، حيث كانت تتم عملية اكتشاف المواهب، لأن أغلب أساتذة الرياضة هم في الأصل مدربين في الأندية".
مؤشرات بطل أولمبي
قبل المشاركة في أولمبياد لوس أنجلس، كان عوطية، الذي حاول الجمع بين مسافات 800 و1500 و3000 والمايل، تألق في الكثير من الملتقيات الدولية بالموازاة مع متابعته دراسته في فرنسا، حيث فاز بسباق العدو "لوفيغارو"، "le cross du figaro" سنة 1981، والميدالية الذهبية في ألعاب القوى الجامعية الصيفية في بوخاريست برومانيا في مسافة 1500 متر، واحتل المركز الثالث في بطولة العالم في العاصمة الفنلدية هيلسينكي في 1500 متر أيضا، ثم توج بذهبية ألعاب البحر الأبيض المتوسط في الدار البيضاء في سباقي 800 و1500 متر سنة 1983، ناهيك على تتويجه ببطولة إفريقيا في مدينة الرباط، قبيل مشاركته في أولمبياد لوس أنجلس.
على مدار مساره في المضمار، حاول سعيد عويطة الجمع بين المشاركة في سبقات 800 متر، و1500 متر، و3000 متر، والمايل، وقد تفوق في ذلك إلى حد ما، لكنه دفع الثمن غاليا في أولمبياد سيول 1988.
ذهبية لوس أنجلس 1984
حين سافر عويطة مع وفد يضم 36 رياضيا ورياضية في 6 تخصصات رياضية، للمشاركة في أولمبياد لوس أنجلس، كان هدفه صعود منصة التتويج، لكن المنافسة صعبة في ظل وجود البريطاني ديفيد موركروفت، صاحب الرقم القياسي، أنذاك، في 5000 متر، والبطل الأولمبي السويسري ماركوس رفايل، الحائز على ميدالية ذهبية في أولمبياد 1980 في موسكو.
يوم 11 غشت 1984، سينجح عويطة في التفوق على منافسيه، وسيكتب التاريخ بأحرف من ذهب، حين دخل في المركز الأول لسباق 5000 متر النهائي، محققا توقيت 13 دقيقة و5 ثوان، متبوعا بالسويسري ماركوس رفايل، والبرتغالي أنتونيو ليتاو، موقعا على مفاجأة كبيرة لم يكن كثيرون يتوقعونها من ابن مدينة القنيطرة.
رعاية ملكية
حظي سعيد عويطة بدعم ملكي خاص من جلالة المغفور له الراحل الحسن الثاني، من أجل تحفيزه على المثابرة لتحقيق نتائج إيجابية وتشريف الراية الوطنية.
وقبل مشاركة عويطة في أي تظاهرة عالمية، سواء في الألعاب الأولمبية 1984 أو 1988، أو بطولة العالم في دورتي 1987، و1989 داخل القاعة، كان جلالته يحرص على متابعة أدق تفاصيل استعداداته وجاهزيته، ويقدم له نصائح ساعدت كثيرا عويطة في صعود منصات التتويج.
وحظي عويطة باستقبال ملكي أكثر من مرة، الأولى خلال فوزه بفوزه بالميدالية البرونزية لبطولة العالم في هيلسينكي سنة (أول عداء مغربي وعربي يتوج في بطولة العالم)، وكان هذا الاستقبال في ملعب مركب محمد الخامس، على هامش نهائي كأس العرش بين الرجاء الرياضي والأولمبيك البيضاوي، والثانية قبل المشاركة في أولمبياد لوس أنجلس، وبعدها أيضا، بعد العودة إلى المغرب متوجا بذهبية 5000 متر، رفقة مواطنته نوال المتوكل، التي توجت، في الدورة ذاتها، بذهبية 800 متر.
وقبل مشاركة عويطة في بطولة العالم بروما سنة 1987، كان يعاني بعض الآلام على مستوى عضلات الفخذ، فقرر جلالة الملك، حين بلغه الخبر، استقدام أشهر أخصائي في العلاج الطبيعي في أوروبا، للتكفل بعلاج البطل المغربي، الذي تمكن في ظرف وجيز من استعادة عافيته سريعا وتوج بطلا للعالم في روما.
أرقام قياسية
كانت الرعاية الملكية حافزا معنويا كبيرا لسعيد عويطة، ليس فقط من أجل التألق وتشريف الراية الوطنية، بل، أيضا، من أجل تحطيم الأرقام القياسية في الملتقيات الدولية.
وهكذا حطم سعيد عويطة الرقم القياسي العالمي في سباق 1500 متر مرتين، الأولى سنة 1984 في ملتقى هينجيلو بهولندا (3 دقائق، و31 ثانية، 54 جزء من المائة)، والثانية سنة 1985 في ملتقى برلين (3 دقائق، 29 ثانية، 46 جزء من المائة)، إضافة إلى تتويجه سنة 1986 بذهبية الدورة الثانية لملتقى الجائزة الكبرى في روما الإيطالية، حيث سيتوج، مرة أخرى، بذهبية 5000 متر في بطولة العالم سنة 1987.
وواصل عويطة مسلسل التألق، ليتوج، في 1987، بميداليتين ذهبيتين في ألعاب البحر الأبيض المتوسط باللاذقية في سوريا، في مسافتي 1500 و5000 متر، واكتفى بالميدالية الفضية في سباق 3000 متر موانع في التظاهرة ذاتها.
الفشل في سيول
لم تكن استعدادات عويطة للمشاركة في ثاني ألعاب أولمبية له "سيول 1988"، جيدة، إذ أنه قبل هذه التظاهرة، تأثر بدنيا بمشاركته في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية، ثم تعرض لإصابة عضلية في سيول قبيل انطلاق المنافسات، ومع ذلك كان يعتزم المشاركة في سباقي 1500 متر و800 متر، لكن الأمور لم تسر كما خطط لها.
رفض عويطة نصائح مدربه عزيز داودة وبعض المقربين منه بأخذ أدوية مسكنة للآلام، وقرر الإكتفاء فقط بالعلاج الطبيعي، تحت إشراف عبد الرحيم دزاز، أخصائي العلاج الطبيعي، لكن جاهزيته لم تكن على ما يرام، فقرر، في النهاية المشاركة فقط في مسافة 800 متر.
في السباق النهائي لمسافة 800 متر، ظهر عويطة أنه يجد صعوبة كبيرة أمام منافسيه البرازيليين والكينيين، وقاوم حتى دخل في المركز الثالث، مكتفيا بالميدالية البرونزية، بينما دخل الكيني بول إرينج في المركز الأول، متبوعا بالبرازيلي خواكين كروز.
العودة للتألق والاعتزال
في شهر شتنبر 1988، عاد عويطة ليطوق عنقه بالذهب من جديد، من خلال تتويجه بذهبية الجائزة الكبرى في برلين، في سباق المايل، وفي السنة الموالية توج بذهبية بطولة العالم داخل القاعة في سباق 3000 متر، ثم توج، للمرة الثالثة، بذهبية الجائزة الكبرى، وهذه المرة في ملتقى موناكو، في سباق 1500 متر، وكانت هذه الميدالية، الأخيرة له في مساره في رياضة أم الألعاب، ليقرر بعدها الاعتزال سنة 1991، بعدما احتل المركز الـ11 في سباق 1500 متر في بطولة العالم بطوكيو.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة