فن وثقافة
"كتاب أثر فيا" .. الناقد السينمائي سعيد المزواري يتحدث عن الرواية الأقرب إليه
17/03/2025 - 10:08
حليمة عامر
تطلق منصة SNRTnews سلسلة "كتاب أثر فيا" خلال شهر رمضان، لتسلط الضوء على الكتب التي تجاوزت كونها مجرد عناوين على رفوف المكتبات، وأصبحت محطات فارقة في حياة قرائها. وتسعى السلسلة إلى استكشاف سر الكتب التي تترك أثرا عميقا، وتجعل البعض يعود إليها مرارا لاستخلاص معان جديدة لم تتكشف في القراءة الأولى.
وتستضيف سلسلة "كتاب أثر فيا" في هذه الحلقة، الكاتب والناقد السينمائي سعيد المزواري للحديث عن أحد الكتب التي يرى أنها تعيد إليه ذكريات خاصة، وتشكل تجربة فريدة تستحق الاستكشاف.
بالنسبة لسعيد المزواري فإن " البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست يعد من أبرز الأعمال الأدبية التي ينصح بقراءتها.
ويعتبر أن هذه الرواية ليست كاتدرائية بحجمها الضخم فحسب، إذ تمتد على سبعة أجزاء تتجاوز 3000 صفحة، بل بعظمتها الفنية، وعمق أحاسيس شخصياتها، وغنى أحداثها. فذاكرة الأماكن، والحب، ومتاهات الغيرة، والشعور بزحف الحرب... كلها موضوعات بروستية خالصة.
وأشار المزواري إلى أن الرواية تسلط الضوء على يوميات طبقة أرستقراطية مكونة من دوقات ونبلاء، وحواراتهم المتعالية، برؤية ساخرة تكشف عن النفاق الاجتماعي وزيف بعض الشخصيات، لكنها في الوقت ذاته تتميز بعمق إنساني بالغ. إذ لا يتردد بروست في استكشاف رؤية خادمة (فرانسواز) للحياة، والتي، رغم تواضع مكانتها، لا تخلو من نوع من التكبر.
وأوضح أن كثيرين يعاتبون على بروست طول جمله وصعوبة أسلوبه، لكنه يرى أن هذا تحديدًا سر عبقريته، قائلاً: "قدرته على العثور على الكلمات المناسبة، وصياغة الجمل الملائمة، لوصف أدق الأحاسيس والتفاصيل، تجعل القارئ يستشعرها كأنها جزء منه، لكنه وحده استطاع التقاطها وتسجيلها على الصفحات البيضاء."
وأضاف المزواري أن البحث عن الزمن المفقود تنتمي إلى فئة "الروايات – العالم"، التي يمكن للقارئ أن يعيش داخلها لفترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، بحسب إيقاع قراءته، ليخرج منها شخصا مختلفا، إذ تغير نظرته للزمن، والأماكن، والعلاقات الغرامية، والفنون، والحروب. وأكد أن هذا هو الأثر الذي تركته الرواية في داخله.
كما استعاد مقطعا من الرواية يصف فيه الراوي شعور الكاتب عند نشر مقالته الأولى في جريدة مرموقة، مشيرا إلى أنه عند قراءته لهذا المقطع، شعر بأن بروست استطاع بطريقة ما أن يعبّر عن إحساسه عندما رأى أول مقالة نقدية له منشورة في ملحق السينما بجريدة المساء، التي كان يشرف عليها الراحل مصطفى المسناوي، واصفا ذلك الإحساس بأنه كان مذهلا بصدقه وقدرته على استشفاف جوهر الأشياء.
ولهذا، يؤكد المزواري أنه يوصي بقراءة البحث عن الزمن المفقود، معتبرا إياها نموذجا بديعا لفن السعي للفهم بدلا من إطلاق الأحكام. فهي عمل أدبي يعيد تشكيل نظرة القارئ للحياة واختياراته، ويتيح له اختبار كيف تعمل ذاكرة الأحاسيس عبر الزمن.
وشدد على أن رواية "البحث عن الزمن المفقود" تستحق أن تدرس بدءا من مستوى معين، ربما في المرحلة الثانوية، نظرا لتيماتها وتعقيد بنيتها. لكن ثمة مقاطع منها تصلح للدراسة في مراحل أبكر، كوحدات جمالية وأسلوبية، مثل مقطع تناول قطعة "المادلين" الشهير، أو النص الذي يصف العبور من طريق شجرات "هوديمينيل"، حيث يهمس الراوي: ما لم تتعلمه منا اليوم، لن تعرفه أبدا".
وختم حديثه: "إذا تركتنا نسقط في قاع الطريق التي نسعى عبرها إليك، فإن جزءا كاملا من نفسك نحمله إليك سيسقط إلى الأبد في العدم. وهذا تماما ما أشعر به تجاه هذه الرواية: المرور بجانبها دون قراءتها يعني فقدان تجربة أدبية وإنسانية استثنائية."
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة