مجتمع
"دارت".. تكافل اجتماعي يواجه تكاليف الحياة
23/03/2025 - 13:26
خولة ازنيزني
في زقاق ضيق بأحد أحياء الدار البيضاء، تجلس "فاطمة" رفقة جاراتها حول مائدة صغيرة، تتوسطها كؤوس شاي بالنعناع وفطائر ساخنة. بعد حديث قصير عن تفاصيل الحياة اليومية المعتادة، تسحب إحدى النساء ورقة لتدون عليها لائحة بأسماء المنخرطات في "دارت". تقنعهن فاطمة لتكون أول من تحصل على المبلغ ، فهي تعول على "دارت" لتغطية مصاريف دراسة ابنها في مؤسسة خاصة.
اختلفت تسمية هذه المعاملة المالية من منطقة إلى أخرى، بين "دارت" أو "القرعة" أو "الجمعية" و"التعاونية"، إلا أن هناك إجماعا على كونها اتفاقا عرفيا بين مجموعة من الأفراد لجمع مبلغ ثابت يكون في الغالب شهريا، يساهمون به بالتساوي ليحصل عليه كل واحد منهم بالتناوب لتلبية حاجياته ومواجهة متطلبات الحياة.
ويزداد الإقبال على "دارت" بين أفراد العائلة، والجيران أو أصدقاء العمل، ويتم اختيار شخص يحظى بالثقة ليتكلف بجمع المال المتفق عليه بين المشاركين، ليسلمه في كل دورة إلى أحد المستفيدين من "دارت"، إلى أن يستفيد جميع المساهمين عبر سحب قرعة، أو وفق ترتيب يتم الاتفاق عليه مسبقا.
"دارت".. نظام تكافلي قديم بحلة معاصرة
تقول فاطمة، وهي أم لثلاثة أطفال، إن "دارت" ساعدتها على مواجهة مصاريف دراسة أبنائها الثلاثة، وتغطية مستلزمات البيت: "عندما يأتي دوري في الحصول على المبلغ، أشعر براحة نفسية كبيرة. أستطيع سداد فواتير البيت، أو تأدية واجبات دراسة ابني في كل شطر من السنة الدراسية دون الحاجة للاستدانة". وتضيف أنها تواظب على الانخراط في عملية جديدة كلما انتهت من أخرى.
وتوضح فاطمة، في حديثها لـSNRTnews، أنها غالبا ما يتم تكليفها بجمع المبالغ من المشاركات، واللواتي يكن جاراتها وبعض قريباتها، وتشرح: "نعطي يوم الخامس من كل شهر كآخر أجل للتسليم، ليتم بعد ذلك منح المبلغ لصاحبته، حسب ترتيب اللائحة التي نحددها من قبل".
وتؤكد فاطمة على أهمية هذه المعاملة المالية في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الجيران والأقارب، وفي تعزيز مبدأ "التعاضد" في مواجهة أعباء الحياة، قائلة: "'دارت' ليست فقط وسيلة مالية لمواجهة ضغوط الحياة، بل أصبحت أكثر من مجرد عادة، لتكون طوق نجاة للكثير من الأسر، نتكافل من خلالها من أجل مساعدة بعضنا البعض في تدبير المصاريف ومواجهة الأزمات المالية، في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة".
من وسيلة بسيطة إلى حاجة مجتمعية
إذا كانت فاطمة سخرت "المصارفة" التقليدية لمواجهة تكاليف الحياة، فإن الشاب الثلاثيني "محمد" لا يلجأ إلى "دارت" إلا من أجل الادخار؛ إذ اعتمدها لشراء شقة في السكن الاقتصادي كان يحلم بها لسنوات.
كشف محمد، ابن مدينة الرباط، في حديثه لـSNRTnews، عن مواظبته منذ حوالي ثماني سنوات على المشاركة في "دارت" بمبالغ متفاوتة يقتطعها من راتبه بغية الادخار، إلى أن تمكن من جمع ما يكفيه لشراء الشقة.
يقول محمد: "كنت أشارك في دارت مع زملائي في العمل، وفي البداية لم أكن أثق بهذه الوسيلة، وعندما جاء دوري للحصول على أول مبلغ لـ"دارت"، استطعت دفع مقدم الشقة، فآمنت بإمكانية تحقيق حلمي". ويتابع مبتسما: "لو انتظرت حتى أجمع المبلغ بمفردي، لما استطعت ذلك في ظل الظروف الحالية".
بينما "مريم" التي كانت لا توفر أي شيء من راتبها وتفرط في شراء الملابس ومستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، انخرطت رفقة 9 من زملائها في العمل في هذه المعاملة المالية، فتفاجأت بتمكنها من تحصيل مبلغ قدره 60 ألف درهم.
وعبرت مريم عن امتنانها قائلة: "لو لم أستعن بـ"دارت" لما تمكنت من تحصيل هذا المبلغ، ولما استطعت شراء سيارة تسهل تنقلي إلى العمل، بعدما ساهمت مع زملائي في العمل بمبلغ 6000 درهم شهريا". وتشير إلى أنهم اعتمدوا نسخة مطورة من" دارت"، من خلال منصات الكترونية تعتمد هذا النظام بين أفراد العائلة أو الأصدقاء، ما سهل من عملية التسيير وضمان الشفافية.
التكافل الاجتماعي في مواجهة الأزمات
يرى سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن "دارت" تعكس بُعدا ثقافيا واجتماعيا متجذرا في المجتمع المغربي، مفسرا: "دارت ليست فقط آلية اقتصادية، بل هي انعكاس لقيم التضامن والتعاون في الثقافة المغربية، خاصة بين الفئات ذات الدخل المحدود"، واصفا إياها بـ"الرباط المتين الذي قوامه الثقة والأمانة".
وأوضح بنيس، في تصريحه لـSNRTnews، أن "القرعة" يلجأ إليها في الغالب محدودو الدخل لقضاء بعض الأغراض المتعلقة بالتطبيب أو تغطية تكاليف الزواج أو العقيقة، كما قد تخصص لأداء ثمن تجهيزات وإصلاحات منزلية، أو قد توجه نحو الادخار". مؤكدا أن المشاركين في هذه المعاملة المالية لا يجدون حرجا، سواء أخفوها أو جاهروا بها.
وأفاد أستاذ العلوم الاجتماعية أن "دارت" تعزز التكافل الاجتماعي بين الأفراد، من خلال ترتيب المشاركين، حيث تعطى الأولوية لمن عنده مشروع عقاري، أو طارئ صحي، أو مناسبة مهمة.
وأكد بنيس على أن "القرعة" تتحول إلى وسيلة للتعارف بين أشخاص قد لا تربطهم أي علاقات، وجسرا لتقوية العلاقات القائمة، كما تخلق عقدا من الثقة بين المشاركين، مشددا على أن الثقة عنصر محوري في نجاح "دارت"، قائلا:" نلاحظ أن معظم المجموعات تقوم على الروابط العائلية أو الصداقة. ومع ذلك، في حالة حدوث إخلال، يكون الحل وديا بعيدا عن المسارات القانونية".
ويخلص أستاذ علم الاجتماع في حديثه إلى أن "دارت" تظل نموذجا مجتمعيا يجمع بين البساطة والفعالية، ويجاوز بين القيم المادية وغير المادية، ويعكس قدرة المغاربة على التأقلم مع الظروف الاقتصادية الصعبة من خلال التعاون والتضامن.
في نهاية الجلسة، تبتسم فاطمة وهي تودع جاراتها، تحمل في يدها لائحة "دارت" واسمها على رأس القائمة. ويتوجه محمد لاختيار ديكور غرفة معيشة شقة أحلامه، بينما تقود مريم سيارتها إلى منزلها بعد انتهاء العمل. بالنسبة لهم، "دارت" ليست مجرد مساعدة مالية، بل إحساس بأن المجتمع لا يزال متماسكا، وأن هناك دائما من يسندك في وقت الحاجة، وأنها نموذج فريد للتكافل في زمن الأزمات.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد