مجتمع
الأورثوركسيا .. عندما يتحول الأكل الصحي إلى هوس
25/07/2026 - 19:33
خولة ازنيزني
في وقت يتزايد فيه الإقبال على الحميات الغذائية ومتابعة نصائح التغذية عبر منصات التواصل الاجتماعي، أصبح السعي إلى تناول الطعام الصحي بالنسبة إلى بعض الأشخاص يتجاوز حدود الاهتمام الطبيعي ليصل إلى حالة من الهوس. فبدل أن يكون الغذاء وسيلة للحفاظ على الصحة، يتحول إلى محور التفكير اليومي، وتصبح الوجبات محكومة بقواعد صارمة يصعب كسرها، حتى لو كان ذلك على حساب الصحة النفسية أو العلاقات الاجتماعية.
ويصف الخبراء هذه الحالة بـ"الأورثوركسيا" (Orthorexia)، وهو مصطلح مشتق من اليونانية؛ إذ تعني كلمة "أورثو" الصحيح أو السليم، بينما تعني "أوريكسيس" الشهية.
وقد استخدمه لأول مرة الطبيب الأمريكي ستيفن براتمان في تسعينيات القرن الماضي لوصف الانشغال المفرط بتناول الطعام "النقي" أو "المثالي"، ورغم أن هذا الاضطراب لم يدرج بعد ضمن التصنيفات الرسمية للاضطرابات النفسية، فإن المختصين يؤكدون أن الوعي به يتزايد، بالنظر إلى آثاره النفسية والجسدية.
من نمط صحي إلى اضطراب نفسي
يوضح الأخصائي النفسي أمين لكتيبي أن "الأورثوركسيا" تندرج ضمن اضطرابات سلوك الأكل، وتتحول إلى حالة مرضية عندما يصبح الالتزام بالغذاء الصحي هاجسا يسيطر على حياة الشخص وسلوكياته اليومية.
ويؤكد لكتيبي، في تصريحه لـSNRTnews، أن اتباع نظام غذائي متوازن أمر إيجابي، لكن المهم هو وجود التوازن والمرونة، وليس السعي إلى التحكم في كل شيء بصورة مثالية.
ويضيف أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان غير قادر على الخروج عن نظامه الغذائي، أو يشعر بالذنب والقلق إذا تناول طعاما لا يندرج ضمن القواعد التي وضعها لنفسه.
ويرتبط هذا الاضطراب، بحسب المتحدث، بالطريقة التي يرى بها الشخص نفسه وجسده، وقد يكون ثانويا لاضطرابات أخرى مثل الوسواس القهري أو اضطرابات القلق أو نتيجة ضغوط عاطفية تدفعه إلى البحث عن الكمال عبر الطعام.
ويرى أن عددا من السلوكيات قد تشير إلى تطور الاهتمام بالأكل الصحي إلى اضطراب، من بينها التدقيق القهري في الملصقات الغذائية، واستبعاد عدد متزايد من المجموعات الغذائية مثل السكريات أو الكربوهيدرات أو المنتجات الحيوانية، وعدم القدرة على تناول سوى قائمة محدودة من الأطعمة التي يعتقد الشخص أنها "نقية"، إلى جانب الشعور بالضيق أو القلق عند عدم توفرها.
كما تشمل العلامات قضاء وقت طويل في البحث عن مكونات الأغذية عبر الإنترنت أو الكتب، ورفض تناول أي وجبة لم تُحضّر في المنزل، والانشغال المستمر بالوجبات المقبلة، إضافة إلى متابعة حسابات التغذية الصحية بصورة مفرطة، ومحاولة فرض هذه القواعد على المحيطين.
ويشير إلى أن الاهتمام بالصحة لا يصبح اضطرابا إلا عندما يبدأ في إحداث معاناة حقيقية لصاحبه أو يؤثر في حياته الشخصية والمهنية والاجتماعية. ويشرح قائلا إن بعض الأشخاص قد يقضون ساعات في التخطيط لوجباتهم، أو يرفضون تناول أي طعام لم يحضروه بأنفسهم، أو يضعون قواعد صارمة لا يمكنهم التراجع عنها، مثل الامتناع الكامل عن مجموعات غذائية بأكملها أو الالتزام بطقوس محددة أثناء الأكل.
ويضيف أن الالتزام بهذه القواعد يتطلب جهدا نفسيا كبيرا، لكن المصاب غالبا ما يعتبر ذلك دليلا على قوة الإرادة والانضباط. وفي المقابل، إذا خالف قواعده الغذائية يوما واحدا، يشعر بتأنيب ضمير شديد وقد ينتابه إحساس بأنه أضر بجسده أو "لوثه"، وهو ما يزيد من معاناته النفسية.
ولا تقتصر آثار الاضطراب على العلاقة بالطعام فقط، إذ يؤكد لكتيبي أن المصاب قد يتجنب حضور الولائم أو تناول الطعام في المطاعم أو قبول دعوات الأصدقاء، خوفا من فقدان السيطرة على نوعية الطعام، ما يؤدي تدريجيا إلى تراجع حياته الاجتماعية وعزلته عن محيطه.
كما يلفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في إبراز هذه الاضطرابات وتعميقها، من خلال الكم الكبير من النصائح الغذائية والمحتوى الذي يربط الصحة بالمثالية، معتبرا أنها لم تنشئ المشكلة بقدر ما جعلتها أكثر انتشارا ووضوحا.
حميات متطرفة
من جهتها، تؤكد اختصاصية التغذية أسماء زريول أن الاهتمام بالغذاء الصحي في حد ذاته لا يمثل مشكلة، بل يصبح مقلقا عندما تتحول الرغبة في تناول الطعام الصحي إلى التزام صارم يؤثر في جودة الحياة ويقيد العلاقات الاجتماعية.
وتوضح زريول، في تصريح لـSNRTnews، أن العديد من الأنظمة الغذائية الرائجة عبر الإنترنت تقوم على استبعاد أطعمة أو مكونات كاملة دون مبرر علمي أو طبي، مثل الامتناع عن الحليب البقري لصالح حليب اللوز، أو تجنب الغلوتين دون وجود حساسية، أو الاعتماد على النظام النباتي بشكل غير مدروس، أو الاكتفاء بالسلطات والعصائر، وهي ممارسات قد تحرم الجسم من عناصر غذائية أساسية على المدى البعيد.
وتحذر من أن أخطر آثار هذا السلوك تظهر لدى الأطفال والمراهقين، لأنهم ما يزالون في مرحلة النمو، وقد يؤدي حرمانهم من بعض العناصر الغذائية إلى ضعف المناعة أو التأثير في الطول والنمو الطبيعي، مشيرة إلى أن بعض الأسر تتبنى أنظمة غذائية شائعة بدافع الحرص على صحة أطفالها، لكنها قد تنتهي بنتائج عكسية تجعل التدخل العلاجي أكثر تعقيدا.
أما لدى البالغين، فتوضح أن الاستبعاد المستمر لمجموعات غذائية كاملة قد يقود إلى نقص في الفيتامينات والمعادن والبروتينات الضرورية، رغم اعتقاد الشخص أنه يتبع النظام الغذائي "الأكثر صحة".
وتشدد على أن تشخيص "الأورثوركسيا" لا يعتمد فقط على نوعية الطعام، وإنما على مدى تأثير هذه السلوكيات في الحياة اليومية، فإذا أصبح الشخص عاجزا عن تناول الطعام خارج منزله، أو يشعر بقلق شديد عند غياب الطعام الذي يعتبره صحيا، أو يقضي جزءا كبيرا من يومه في البحث عن مكونات الطعام والتخطيط للوجبات، فإن الأمر يستدعي استشارة مختص.
علاج يجمع بين التغذية والدعم النفسي
وتؤكد أن التعامل مع هذه الحالة لا يكون بالتخلي عن الغذاء الصحي، وإنما بإعادة بناء علاقة متوازنة مع الطعام، تقوم على التنوع والمرونة، مع الابتعاد عن تصنيف الأطعمة إلى جيدة وسيئة بصورة مطلقة.
وفي هذا السياق، تشدد زريول على أهمية استشارة اختصاصي تغذية عند الشعور بأن النظام الغذائي أصبح مقيدا بصورة مبالغ فيها، من أجل تنظيم الوجبات وضمان حصول الجسم على احتياجاته الغذائية المختلفة، فيما يؤكد لكتيبي أن العلاج النفسي يظل ضروريا عندما يكون الهوس مرتبطا بالقلق أو الوسواس القهري أو بصورة الجسد.
ويخلص المختصان إلى أن الطعام لا يقتصر دوره على تزويد الجسم بالطاقة، بل يشكل أيضا وسيلة للتواصل الاجتماعي والاستمتاع بالحياة، لذلك فإن الاستماع إلى احتياجات الجسد، بدلا من الانجراف وراء معايير المثالية الغذائية، يظل الخطوة الأساسية للحفاظ على صحة جسدية ونفسية متوازنة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
فن و ثقافة