مجتمع
مريم لمراني.. بحث مستميت عن أسرار الليشمانيا بأدوات الذكاء الاصطناعي
13/04/2025 - 23:09
أيوب محي الدين | خولة ازنيزنيوسط أروقة معهد باستور بالدار البيضاء، حيث يُخاض يوميا سباق ضد الزمن لفك شيفرات الأمراض الطفيلية، تواصل الدكتورة مريم لمراني مسارا بحثيا كرسته لدراسة مكافحة مرض يعد من الأمراض المدارية المُهملة، وهو الليشمانيا. وتقود فريقا علميا يعمل على تطوير تطبيقات بناء على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تحليل صور الآفات الجلدية بدقة عالية لتحديد ما إذا كان المريض مصابا بالليشمانيا الجلدية، دون الحاجة إلى أخذ عينات بيولوجية مؤلمة.
رغم تعقيد الليشمانيا وتعدد أشكاله وصعوبة تشخيصه، استطاعت الدكتورة أن تقود أبحاثا دقيقة امتدت لثلاثة عقود، واضعة نصب عينيها هدف تطوير أدوات علمية دقيقة، معتمدة على الذكاء الاصطناعي، للمساهمة في الحد من انتشار هذا المرض وتحسين حياة المصابين به، خاصة أنه ما يزال يسجل حضورا في عدد من مناطق المغرب، لاسيما القروية.
مرض معقد... بأوجه متعددة
أفادت الباحثة، في حوارها مع SNRTnews، أن داء الليشمانيا ليس مرضا واحدا، بل مجموعة من المتلازمات المختلفة الناتجة عن أنواع متعددة من طفيليات الليشمانيا التي تنتقل إلى الإنسان عن طريق لدغات ذباب الرمل المصاب.
وشرحت أن هذا المرض يتسم بتعقيد وبائي كبير، حيث يُصنّف عادة في نوعين رئيسيين: أحدهما حيواني المنشأ يكون فيه البشر عرضيين فقط، والآخر بشري المنشأ يكون فيه الإنسان هو المستودع الرئيسي للعدوى.
وأوضحت الباحثة أن أعراض الليشمانيا تختلف حسب نوع الطفيلي، حيث تتراوح بين الأشكال الجلدية الظاهرة، التي تخلّف ندوبا دائمة على الوجه أو الأطراف، والأشكال الحشوية الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة في حال تأخر التشخيص والعلاج.
تقول لمراني: "أؤمن بضرورة تنفيذ استراتيجيات مبنية على البحث العلمي لمكافحة الليشمانيا. فهذا المرض ليس فقط معقدا من الناحية الوبائية، بل يُخلّف ندوبا جسدية ونفسية عميقة، خاصة لدى الشابات المصابات به اللواتي قد يواجهن وصما مجتمعيا بسبب الندوب".
تشخيص دقيق.. بمساعدة الذكاء الاصطناعي
تشدد لمراني على أن أحد أكبر تحديات مكافحة داء الليشمانيا هو تشخيصه في الوقت المناسب؛ إذ غالبا ما يُكتشف المرض بعد مرور مدة على تطوره داخل جسد المصاب.
ولتجاوز هذه العقبة، قام الفريق الذي تقوده بتطوير أدوات جزيئية مبتكرة، لا تقتصر فقط على الكشف عن وجود الطفيلي، بل تشمل أيضا تحديد سلالته بدقة، وهو ما يُعد ضروريا لتوجيه العلاج المناسب.
وكشفت الباحثة أن فريقها العلمي يعمل على تطوير تطبيقات بناء على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تحليل صور الآفات الجلدية بدقة عالية لتحديد ما إذا كان المريض مصابا بالليشمانيا الجلدية، دون الحاجة إلى أخذ عينات بيولوجية مؤلمة. هذه المقاربة تُعد خطوة نحو تشخيص أسرع وأقل إزعاجا، خاصة في المناطق البعيدة التي تفتقر إلى تجهيزات المختبر.
ولا يقتصر طموح الباحثة على الجانب العلاجي أو التشخيصي فقط، بل تسعى أيضا إلى فهم دورة حياة الليشمانيا ونواقلها بشكل أدق، عبر استخدام تقنيات علم الأوبئة الجزيئي. ويهدف هذا التوجه إلى وضع استراتيجيات وقائية فعالة، خاصة في ظل تنوع الأنواع الجينية للطفيليات وتداخل أدوار الحيوانات الناقلة.
كما أبرزت الباحثة أهمية التعاون العلمي، مشيرة إلى شراكات مثمرة مع مؤسسات تابعة لشبكة معهد باستور، وجامعات أوروبية وأمريكية، وهو ما أتاح تبادل الخبرات وتعزيز القدرات البحثية في هذا المجال الحيوي.
التقدير الدولي.. دافع إضافي
كما تطرقت لمراني إلى اختيارها ضمن النخبة العلمية لدول البحر الأبيض المتوسط لعام 2025، معربة عن امتنانها: "هذا التقدير هو شرف ومسؤولية في آن واحد، ويشكل دفعة قوية للاستمرار في البحث لاستكشاف أسرار داء الليشمانيات والبحث عن حلول لمكافحة هذا المرض والوقاية منه، فضلا عن السعي نحو التميز العلمي".
وختمت لمراني حديثها بتأكيدها أن الفريق الذي تشرف عليه يعمل حاليا على مشروعين أساسيين: الأول يرتبط بتطوير نماذج تنبؤ مبكر لداء الليشمانيا اعتمادا على الذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات الوبائية والبيئية، والثاني يتعلق بالبحث عن بروتوكولات علاجية بديلة وأكثر فاعلية من تلك المعتمدة حاليا، من خلال استكشاف جزيئات جديدة وأساليب علاجية مندمجة، مشددة على أن مستقبل مكافحة الأمراض الطفيلية في المغرب والمنطقة المتوسطية رهين بالعلم وبالالتزام الجماعي للباحثين وصناع القرار.
خلفية أكاديمية متينة
تنحدر مريم لمراني من مدينة صفرو، حيث تابعت دراستها الابتدائية والثانوية بمدرسة عمومية، وحصلت على شهادة البكالوريا في العلوم التجريبية سنة 1988.ثم تابعت مسارها الجامعي بكلية العلوم ظهر المهراز بفاس، ثم حصلت على دبلوم الدراسات العليا بكلية العلوم بالرباط سنة 1992، لتتوج مسارها الأكاديمي بدكتوراه الدولة في علم الطفيليات سنة 2007. وفي 1993، التحقت بمعهد باستور بالمغرب، حيث شغلت مهمة رئيسة مختبر داء الليشمانيا، وتشغل اليوم منصب مديرة الأبحاث ورئيسة البحث والتعليم بالمعهد.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
تكنولوجيا