مجتمع
معدلات الباكالوريا .. تلاميذ تحت ضغط التفوق
17/06/2025 - 19:11
مراد كراخي
شهدت نتائج امتحانات الباكالوريا بالمغرب خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق في المعدلات، حيث تجاوز أعلى معدل وطني سقف 19/20، ما يطرح عدة تساؤلات حول خلفيات هذا الارتفاع، ودور التعليم الخاص فيه، وتأثيراته النفسية والاجتماعية على التلاميذ وأسرهم.
تتسبب هذه المعدلات المرتفعة في إقصاء عدد كبير من التلاميذ من ولوج التخصصات ذات الاستقطاب المحدود، ككليات الطب والهندسة والمدارس العليا، حيث أضحى من الصعب جدا المنافسة على مقاعدها دون الحصول على معدل استثنائي، مما يستدعي النظر في طريقة انتقاء التلاميذ للولوج إلى هذه المدارس.
تضخم المعدلات
يرى الخبير التربوي عبد الرحيم ليه أن المغرب أصبح يعيش، خلال السنوات الأخيرة، ما يمكن وصفه بـ"تضخم المعدلات" في الباكالوريا، حيث ارتفعت نسبة الميزات بشكل غير مسبوق، دون أن يواكب ذلك تحسن في الكفايات الحقيقية للتلاميذ.
وأبرز ليه في تصريح لـSNRTnews أنه ما بين سنتي 2018 و2023، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة الحاصلين على ميزة "حسن جدا" بحوالي 40%، وهو ارتفاع لم يرافقه تطور مماثل في مستوى الكفايات، حيث إن المكتسبات المعرفية للتلاميذ ما تزال متدنية أو مستقرة على أفضل تقدير.
وأوضح أن هذا التضخم في النقاط له أسباب متعددة، أبرزها التركيز المفرط على التقييم الكمي عبر النقاط، على حساب التقييم النوعي الذي يفترض أن يعكس جودة التعلمات. إلى جانب ذلك، هناك اعتماد متزايد على الحفظ والتلقين بدل تعزيز المهارات التحليلية والتفكير النقدي.
وتابع أن من بين الأسباب كذلك سهولة توقع مواضيع الامتحانات، وانتشار محتوى جاهز عبر الإنترنت، مما يجعل التحضير قائما، في كثير من الأحيان، على حفظ نماذج سابقة بدل تطوير الفهم العميق.
وشدد على أن هذه المعدلات المرتفعة لا تعكس بالضرورة المستوى الفعلي للتلاميذ، ما يتسبب في صدمة كبيرة بعد الانتقال إلى التعليم العالي، فهناك عدد من الحاصلين على معدلات تفوق 18 على 20، خاصة في التعليم الخصوصي، يعجزون عن مواكبة متطلبات كليات الطب أو الهندسة.
بين العمومي والخاص
ينتمي جزء كبير من أصحاب المعدلات المرتفعة إلى مؤسسات التعليم الخصوصي، التي باتت، وفق تعبير مختصين، "تصنع" المعدلات المرتفعة عبر منظومات تعليمية تركز بشكل كبير على التحضير المكثف للامتحانات الوطنية، من خلال دروس الدعم الخاصة واستراتيجيات موجهة لحصد أعلى النقاط الممكنة.
وفي هذا السياق، أفاد عبد الرحيم ليه بأنه وأمام هذا الوضع، بات تلاميذ التعليم العمومي، ورغم تحصيلهم معدلات متوسطة تعتبر جيدة، بين 13 و15، يعانون من التهميش ويفقدون الثقة في أنفسهم، أمام سيطرة مرتفقي التعليم الخاص على أعلى المعدلات، مما يثير تساؤلات حقيقية حول العدالة ومصداقية تقييم مستوى التلاميذ بالمغرب.
وأضاف أنه، وفي المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة والأرض، يمكن فهم بعض هذه المعدلات المرتفعة، بحكم أنها تعتمد على أجوبة صحيحة وخاطئة، ولكن في المواد الأدبية والإنشائية، تبدو هذه النقاط غير منطقية، كأن يحصل تلميذ على 19 في مادة الفلسفة، وهو أمر يصعب تصديقه بالنظر لطبيعة المادة.
وأكد أن هذا التهافت على النقاط المرتفعة فتح الباب أمام المدارس الخاصة ومراكز ساعات الدعم الإضافية، التي تستقطب التلاميذ عن طريق تقديم برامج تستهدف تحصيل النقطة لا غير، من خلال تحفيظ الأجوبة النموذجية ومناقشة المواضيع المحتملة في الامتحان بشكل مباشر، بدل تنمية قدرات التفكير والتحليل.
هاجس المعدل.. ضغط نفسي متفاقم
تحول معدل الباكالوريا في السنوات الأخيرة إلى هاجس يؤرق التلاميذ وأسرهم، إذ لم يعد النجاح وحده كافيا، بل بات مطلوبا أن يكون مصحوبا بمعدل عال، وفق أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، حسن قرنفل.
وأوضح قرنفل، في تصريح لـSNRTnews، أنه في ظل القفزات الكبيرة في نسب النجاح وعدد التلاميذ الحاصلين على معدلات مرتفعة وميزات مثل "حسن جدا" و"ممتاز"، أصبح النجاح وحده غير كاف كما كان عليه الأمر منذ سنوات.
وأكد أن ضغط الآباء على أبنائهم للحصول على معدلات مرتفعة في الامتحانات قد يتسبب في خلق توتر نفسي حاد لدى التلاميذ، فبدلا من أن يكون هذا الامتحان إلى محطة تقييم طبيعي لمستوى التحصيل الدراسي، أصبح عبئا ثقيلا يخشى التلميذ من عواقب الفشل فيه أكثر من رغبته في النجاح ذاته.
وأبرز أنه عندما يتم ربط قيمة التلميذ بالمعدل الذي يحققه، يتسلل إليه شعور بأن محبته وتقديره من طرف أسرته مشروطان بالنتائج، وهذا التصور يؤدي تدريجيا إلى تآكل ثقته في نفسه، ويزرع فيه شعورا دائما بعدم الكفاية مهما بذل من مجهود.
ما الحل؟
أكد الخبير التربوي عبد الرحيم ليه أن هذا الوضع يتطلب وقفة حقيقية لإعادة النظر في مصداقية التقييمات، وتحقيق توازن بين تكافؤ الفرص وضمان جودة التعليم.
وأمام هذا الوضع، تتعالى أصوات تربوية للمطالبة بإعادة النظر في معايير الولوج إلى الكليات والمدارس العليا، مع اقتراح اختبارات وطنية موحدة للانتقاء، تمكن من تقييم الكفاءات.
كما تتعالى الدعوات إلى تعزيز دعم التعليم العمومي، وخلق توازن بين القطاعين العام والخاص، لضمان تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة التعليمية، ووقف النزيف النفسي والاجتماعي الذي يخلقه هاجس المعدل المرتفع في صفوف التلاميذ وأسرهم.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع