فن وثقافة
من فضول البدايات إلى حمى الحال
17/06/2025 - 14:39
جمال الخنوسي
في بداية الألفية كانت زيارتي الأولى لمهرجان گناوة وموسيقى العالم بالصويرة. قادني عملي وكثير من الفضول إلى استكشاف هذا المهرجان الخارج عن المألوف الذي يحاول أن يجعل من موسيقى مهمشة موضوع مهرجان يطمح للعالمية. كان تحديا كبيرا للمنظمين ومفاجأة جميلة لكل الفضوليين الذي حجوا للمهرجان منذ انطلاقته في 1998. ومع توالي الدورات أصابتنا حمى تاگناويت، أو ما يسميه الموسيقيون الروحانيون بـ"الحال". ودخل تاريخ تنظيم الدورات المتتالية إلى أجندة الكثيرين باعتباره موعدا سنويا مقدسا في الأجندة الثقافية والفنية للجميع. اليوم بعد مرور أكثر من ربع قرن، يحق لنا أن نطرح سؤالا مشروعا: ماذا تغير في مهرجان گناوة وموسيقى العالم بالصويرة؟
اليوم أصبحت الطريق نحو الصويرة أكثر سهولة، حتى إنه خيل لنا أن المدينة غدت أكثر قربا لنا نحن أهل الدار البيضاء والرباط والنواحي، بفعل توفر وسائل النقل، والبنيات التحتية المستجدة. والأمر نفسه بالنسبة للزوار الوافدين من مدريد أو باريس أو حتى واشنطن، ولعل وسائل النقل وحدها لا تفسر كل شيء بل ربما "الحال" يسهل "المحال" ويقرب المسافات بشكل لا يمكن تفسيره بطريقة عقلانية فحسب.
ومع مرور السنوات تحرر المهرجان من الإطار الضيق كمجرد محفل للفرق الگناوية التقليدية، ليصبح منصة فريدة للحوار الموسيقي العالمي والإبداع المشترك. إذ تميز بفلسفته القائمة على المزج والتلاقح الثقافي، وجمع بين المعلمين الگناويين المغاربة وأشهر الموسيقيين العالميين من مختلف الأنواع الموسيقية، مما ينتج عنه تجارب فنية استثنائية تحافظ على أصالة گناوة وتفتحها على آفاق جديدة. وشهد المهرجان على مر السنين لقاءات مذهلة مع نجوم عالميين أمثال ماركوس ميلر عازف الجاز الأمريكي الشهير، وسناركي بابي، إضافة إلى فنانين من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. هذه اللقاءات الموسيقية خلقت جسورا ثقافية حقيقية وأنتجت موسيقى تحتفظ بروح گناوة وتتفاعل مع الإيقاعات العالمية.
ولا ننسى ما قام به المهرجان لاحتضان هذا الفن الأصيل الذي يمزج بين الجذور الإفريقية والثقافة المغربية. إذ ساهم في جمع وتوثيق مختلف أشكال الموسيقى الگناوية من خلال تسجيل العروض وإنتاج أنطولوجيات موسيقية شاملة تحفظ هذا التراث للأجيال القادمة. هذه الجهود المتواصلة ساهمت بشكل كبير في إدراج الموسيقى الگناوية ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية في منظمة اليونسكو سنة 2019، مما يؤكد أهميتها العالمية ويضمن حمايتها ونقلها إلى الأجيال المقبلة كجزء من الذاكرة الثقافية المشتركة للبشرية.
والأهم من كل هذا أن الشغف بگناوة زاد سنة بعد أخرى. فما يضمن استمرار المناسبات الثقافية ليس التنظيم المحكم أو الدعم المادي فقط، بل مدى حفاظها على شعلة الشغف متقدة. فما يميز مهرجان الصويرة على مثيلاته من المهرجانات الموسيقية هو امتلاكه روحا وهوية فريدة تجعل منه موعدا عالميا يزوره عشاق الفن من كل أنحاء الدنيا. إنه ليس مهرجانا فحسب، بل محجا حقيقيا للفنانين والمولعين والمجذوبين. إنه يحمل في طياته سرا غامضا يجذب عشاق الفن والجمال من أقاصي الأرض، فيأتون إليه ليس كمتفرجين عاديين، بل كحجاج يبحثون عن لحظة تجلٍ روحي نادرة. هنا، تتحول الموسيقى إلى ما يشبه الصلاة، والإيقاع إلى خفقة قلب جماعية، والمكان إلى معبد للفن الأصيل. الموسيقيون أنفسهم يأتون إلى الصويرة ليس فقط للعزف، بل للتطهر في مياه الإبداع الصافية، وكأن المدينة العتيقة تحتضنهم بأسوارها التاريخية وتهمس لهم بأسرار گناوة العريقة. إنه محج حقيقي للأرواح التواقة، حيث تتألف القلوب على إيقاع حب واحد ولغة واحدة هي لغة الموسيقى الخالدة.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
سياسة
تكنولوجيا
عالم
سياسة