مجتمع
النفايات الكهربائية والإلكترونية في المغرب: تهديد بيئي وفرصة اقتصادية ضائعة
01/07/2025 - 16:07
يونس أباعلي
في ظل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي المتسارع، يواجه المغرب إشكالية متنامية تتمثل في ارتفاع حجم النفايات الكهربائية والإلكترونية، مما يشكل تهديدا بيئيا وصحيا إن لم يعاد تدويرها وتثمينها لأنها فرصة اقتصادية لا يجب أن تضيع.
إلى هذا خلص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بعد تشخيصه لكيفية تدبير هذه النفايات في المغرب، في رأي كشف عن مضامينه اليوم الثلاثاء فاتح يوليوز 2025.
آلاف الأطنان ومدخول قليل
الرأي أشار إلى أن نسبة إعادة تدوير هذه النفايات لا تتجاوز 13% فقط سنة 2020، رغم أن حجمها يتزايد بمعدل سنوي يناهز 3.5%. وبلغت كميات النفايات الكهربائية والإلكترونية حوالي 177 ألف طن سنة 2022، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بـ127 ألف طن سنة 2015، مع توقعات بوصولها إلى 213 ألف طن بحلول عام 2030.
وتُعد الأسر المصدر الرئيسي لهذه النفايات بنسبة 74%، فيما يسهم المهنيون، بمن فيهم المؤسسات العمومية، بنسبة 26%.
وعلى المستوى الجهوي، تتركز أغلب هذه النفايات في جهة الدار البيضاء الكبرى (25%)، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة (15%)، وجهة فاس-مكناس (12%)، ثم جهتا طنجة-تطوان-الحسيمة ومراكش-آسفي بنسبة 11% لكل منهما.
وعلى الرغم من حجم هذه النفايات، لا يتجاوز إنتاج الفرد في المغرب 5 كلغ سنويا (المتوسط العالمي 7.8 كلغ).
في هذا السياق، تتفاقم المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن سوء تدبير النفايات الإلكترونية، يقول المجلس، حيث يؤدي إحراقها أو طمرها بشكل غير ملائم إلى إطلاق مواد سامة مثل الديوكسينات والمعادن الثقيلة، التي تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية، مسببة أمراضا تنفسية ومخاطر بيئية جسيمة.
أما من الناحية الاقتصادية، فتشير التقديرات إلى أن نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية يمكن أن تولّد استثمارات تصل إلى 60 مليون درهم وقيمة مضافة تقدر بـ182 مليون درهم سنويا.
ولا توجد إحصائيات رسمية خاصة برصد حجم وقيمة الصادرات من النفايات، غير أن المعطيات الجزئية المتوفرة بخصوص المعادن، فتشير إلى إنتاج حوالي 30 ألف طن من نفايات النحاس يتم تصديرها نحو أوروبا. وواردات المغرب من الأسلاك النحاسية عرفت ارتفاعا ملحوظا حيث انتقلت من 5 آلاف طن سنويا إلى أكثر من 65 ألف طن بفضل مصانع الكابلات.
ورغم إمكانية التصدير، إلا أن ذلك يحول دون الاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية التي يتيحها التدوير، حيث إن كيلوغراما واحدا من نفايات البطاقات الإلكترونية لا يتجاوز ثمنه 5 إلى 6 دارهم، في حين أن سعره يصل إلى مئات الأورو في السوق الأوروبية.
وتنتشر أنشطة معالجة النفايات في الأسواق الأسبوعية وأسواق الخردة في المدن والقرى، حيث تسهم عمليات الإصلاح وإعادة البيع في تمديد عمر الأجهزة، وتعزز من الاقتصاد الدائري محليا.
غير أن ضعف انخراط الصناعيين ومُنتجي الأجهزة الإلكترونية في منظومة الجمع والمعالجة، بالإضافة إلى غياب تنظيم محكم للسوق المحلية، يشكلان عائقا رئيسيا أمام تطوير القطاع وتحقيق جدواه الاقتصادية، كما يذكر المجلس في رأيه.
ورغم إحداث منظومة للنفايات الكهربائية والإلكترونية سنة 2019، إلا أن نقص التمويل والاستراتيجية الملائمة يعيقان تحقيق نتائج فعالة ومستدامة.
ما الذي يوصي به المجلس بعد هذا التشخيص؟
مع التوسع في استخدام الأجهزة الكهربائية والإلكترونية في المنازل، والقطاعات المهنية والصناعية، أصبحت الحاجة ماسة لتقدير دقيق لحجم النفايات التي يتم إنتاجها، يقول المجلس.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية إعداد مصنف موحد لمكونات هذه النفايات، يترافق مع جرد وطني للمواد والمعادن الاستراتيجية التي تحتويها، ما يسهل تتبعها خلال مراحل المعالجة المختلفة ويسهم في إعادة استخدامها في الصناعة الوطنية.
كما لا بد بحسبه من وضع مؤشرات خاصة لقياس الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لإدارة النفايات الكهربائية والإلكترونية، مع التركيز على تقليص الانبعاثات الغازية، والمساهمة في الناتج الداخلي الخام، وتحسين الصحة العامة، وخلق فرص العمل.
ومن بين المبادرات الحيوية المقترحة أيضا، إحداث مصفاة لاستخلاص وتنقية المعادن الثمينة والاستراتيجية من هذه النفايات، مع مراجعة التصنيف القانوني الحالي الذي يصنفها ضمن النفايات الخطرة، لضمان إدارة ملائمة تحترم خصوصيتها.
ويرى أن معالجة النفايات الإلكترونية الصغيرة مثل الهواتف الذكية والبطاريات والمصابيح، تتطلب تدابير خاصة لأنها غالبا ما تخرج من مسارات الاسترجاع الرسمية، مما يؤدي إلى رميها في المنازل أو المطارح أو الأماكن العمومية، وهو ما يستوجب تعميم التغطية القانونية لتشمل أنواعاً جديدة مثل الألواح الشمسية ومعدات التنقل الكهربائي والهجين.
من جهة أخرى، أبرز أن تنظيم النشاط غير المهيكل المرتبط بجمع هذه النفايات يستوجب إدماج العاملين في تعاونيات اقتصادية منظمة، تتوزع حسب نوع النشاط والأجهزة المعالجة، ما يرفع من كفاءة العمل ويحمي صحة العاملين.
كما ينبغي تطوير المطارح العمومية وتحويلها إلى منصات مؤطرة للفرز والتفكيك وفق معايير صحية وبيئية صارمة، مما يساهم في مهننة القطاع وتقليل الأضرار البيئية.
ودعا إلى تعزيز خدمات الإصلاح القريبة من المستهلك، سواء في الورشات أو المنازل، أو عبر خدمات ما بعد البيع، من أجل إطالة عمر الأجهزة وتأخير تحولها إلى نفايات.
وشدد على إرساء إطار جبائي تحفيزي لدعم المتدخلين في هذه السلسلة من المنتجين إلى المدورين، مع تعزيز البحث العلمي والابتكار، حجر الزاوية لتسريع تطور هذا القطاع الحيوي الذي يشكل أحد مداخل التنمية المستدامة.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
عالم
مجتمع