فن وثقافة
أحواش تيسينت.. رقصة الخطوبة أو الخنجر التي تجسد ذاكرة طاطا
14/07/2025 - 00:01
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينمن واحة تيسينت الواقعة جنوب شرق الأطلس الصغير، بإقليم طاطا، ينبثق أحد أعرق أشكال التعبير الفني الجماعي، حيث لا تزال رقصة "أحواش تيسينت" تحافظ على طقوسها الرمزية، وتقدم كأداء يجمع بين الشعر والغناء والحركة، في تناغم يعكس عمق الموروث الأمازيغي المحلي.
وبين صفوف الرجال والنساء، وتحت زغاريد الجماعة، يتحول الخنجر إلى رمز للخطوبة، وتروى من خلال الرقصة قصص تتجاوز بعدها الفلكلوري، لتجسد الحب والانتماء إلى الأرض.
تنطلق الرقصة بإيقاع بطيء على أنغام "الأنضام"؛ أي الشاعر، الذي ينظم أبياتا شعرية، وغالبا ما تكون مستوحاة من المناسبة التي تجمع أفراد القبيلة، سواء تعلق الأمر بعرس أو احتفال موسمي.
ومع تصاعد الإيقاع تدريجيا، تتسلل فتاة من صفوف النسوة، ترتدي زيا تقليديا وحليا فضيا، لتتقدم نحو ساحة الرقص. يبادرها شاب حامل خنجره التقليدي، وعندما يكون هناك تراض بينهما، يرفع سلاحه الأبيض أمام الناس رجالا ونساء ويتخالفون بالرقص حتى يأخذ الخاتم من أعلى رأسها.
وتتوج هذه الطقوس الرمزية بلحظة إلباس الخنجر من طرف الشاب للفتاة أمام أنظار الحضور، وسط الزغاريد والتصفيق، في مشهد يوثق هذا التوافق، ويجسد التراضي الذي يشكل أساس الزواج في الثقافة المحلية.
خصوصية الأداء والزي
يتحدث علي الشيخي، رئيس فرقة أحواش تيسينت، في حواره مع SNRTnews، عن الخصوصية الثقافية والتاريخية لهذه الرقصة، قائلا:"رقصة الخنجر ليست مجرد أداء فني، بل رمز للالتزام العاطفي والاجتماعي."
يوضح الشيخي أن الفرقة تتكون من 24 عضوا، من بينهم 6 نساء على الأقل، وقد يرتفع العدد حسب المناسبة وسعة الفضاء، مع الحرص على التوازن بين الأداء الغنائي والرقص الجماعي، والالتزام بمقومات العرض التراثي، خصوصا ما يتعلق باللباس والحلي، لما لها من رمزية ودلالة تاريخية.
وبخصوص الزي التقليدي للنساء، فيتكون من فساتين مزركشة، وحلي فضية أصلية، بعضها نادر ومهدد بالاندثار، مثل اللبان الحر، والمرجان، وبعضها يعود عمرها لأكثر من قرن، وتعد كنزا تراثيا تتناقله الجدات وتحيي رمزيته الأجيال الجديدة، وفقا لرئيس الفرقة.
أما الرجال، فيرتدون "الدراعية" الزرقاء، والعمامة، والبلغة التقليدية، ويحملون خناجر كانت تستعمل قديما كجزء من الزي اليومي، بدافع الحماية والدفاع عن النفس في أوقات الاضطراب، ويحمل الرجل الخنجر فوق ذراعه الأيسر كأنه حارس له وإذا سلمه لأحد كأنه قتل نفسه بيده.
وعن اختيار اللون الأزرق في اللباس، فيرجعه الشيخي إلى أسباب مناخية وجمالية، إذ يساعد على الحفاظ على حرارة الجسم، كما ينسجم مع ألوان الطبيعة والنباتات التي تشتهر بها المنطقة.
فن جماعي محمل بالرمز والتاريخ
يشدد الرايس الشيخي على أن أحواش يعد شكلا من أشكال التعبير الجماعي، يدمج بين الرجال والنساء في ساحة واحدة، حيث يتبادلون الأدوار بين الغناء الفردي والجماعي، والتصفيق، وإيقاعات الدف والطبل، وحتى الزغاريد.
ويضيف أن "أحواش لم يكن يوما وسيلة ترفيه فقط، بل لعب دورا محوريا في تمرير الرسائل خلال فترات الاستعمار والمقاومة، حيث استخدمه الشعراء والمقاومون للتواصل مع الجماعة، عبر عبارات مشفرة وإيقاعات تحفز الوعي الجمعي وتؤجج الانتماء."
شاركت فرقة أحواش تيسينت منذ خمسينيات القرن الماضي في عدة مهرجانات وطنية ودولية، كما حصلت على جوائز تقديرية في ملتقيات كبرى، أبرزها المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش. وتقدم الفرقة عروضها في مختلف المناسبات الدينية والوطنية ومواسم الأعراس، ما يمثل ذاكرة جماعية وهوية متجذرة في الجنوب الشرقي.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة