مجتمع
الجيل الرقمي.. بين الاتصال المفرط والأنماط الجديدة للتواصل الاجتماعي
20/09/2025 - 16:51
خولة بنحدو
وُلد الجيل الرقمي وهو يحمل الهاتف الذكي في يده. هذا الجيل الذي ترعرع في عالم تطبعه الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية، طور أنماطا من التواصل الاجتماعي تختلف جذريا عن الأجيال السابقة. فإذا كانت التكنولوجيا قد فتحت أمامه آفاقا غير مسبوقة، فإنها في الوقت نفسه طرحت تساؤلات جديدة حول العلاقات الإنسانية.
على عكس أسلافهم الذين مر تعلم الحياة الاجتماعية عندهم أساسا عبر المدرسة والأنشطة الجماعية أو العائلة، يبني أبناء الجيل الرقمي جانبا كبيرا من تفاعلاتهم داخل الفضاء الافتراضي. فمواقع التواصل والألعاب الإلكترونية وتطبيقات المحادثة أصبحت فضاءاتهم للقاء والتقاسم وإثبات الهوية.
وفي حديثه لـSNRTnews، أوضح أستاذ علم النفس الاجتماعي محسن بنزاكو أن الجيل الجديد تلقى بشكل مباشر صدمة التطور التكنولوجي. وهذا التأثير لا يظهر فقط على المستوى الفردي، بل أيضا على مستوى العلاقات الاجتماعي، مشيرا إلى أن الظاهرة تحمل في طياتها جوانب إيجابية وأخرى سلبية.
المزايا
توفر التكنولوجيا للشباب انفتاحا غير مسبوق على العالم، وتمكنهم من تكوين صداقات، والتعبير بحرية أكبر، وتطوير مهارات تواصل تتماشى مع بيئة رقمية، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. هذه المرونة تعكس قدرة كبيرة على التكيف، وهي مهارة أساسية في عالم تتغير فيه القواعد الاجتماعية بسرعة.
وفي هذا السياق يرى بنزاكور أن "التكنولوجيا وسعت مجال العلاقات الإنسانية. فبعد أن كانت تقتصر سابقا على العائلة والمشاريع المشتركة والمدرسة، صار اليوم الكون كله متاحا. وقد أغنى ذلك الشباب ثقافيا واجتماعيا وإنسانيا، وسمح لهم بقدر من الانفتاح الفكري"، لكنه يستدرك: "هذا الانفتاح أضعف في المقابل شعور الانتماء والجذور الهوياتية، مع ما قد ينجم عن ذلك من أشكال العزلة".
مخاطر العزلة
لكن لهذا الارتباط المفرط وجه آخر. فالكثير من الخبراء يحذرون من هشاشة العلاقات الواقعية المباشرة. فالتفاعلات الافتراضية، السريعة والسطحية غالبا، تقلل من عمق الروابط الاجتماعية. كما أن التعرض الدائم لصور حياة مثالية على الإنترنت يغذي المقارنة والقلق والشعور بعدم الأمان.
يلاحظ بنزاكور أن "الشباب ينعزلون أكثر فأكثر، ما يؤدي إلى فقدان الذكاء الاجتماعي. وهذه المهارة أساسية لتعلم إدارة المواقف ومواجهة النزاعات والتفاعل السليم. بدلا من ذلك، يطورون مقاربة آلية أكثر، مستوحاة من تعاملهم مع الآلة".
اللغة تتغير
مع الشبكات الاجتماعية والتكنولوجيا الحديثة، طوّر الشباب أيضا لغتهم الخاصة، التي تبدو غالبا غامضة على الأجيال الأكبر سنا، مع اعتماد كبير على الرموز التعبيرية للتعبير عن المشاعر.
يوضح بنزاكور في هذا السياق أن: "الدراسات الأكاديمية التي أنجزناها مع طلابنا حول المعجم والتركيب أظهرت أن الشباب يجدون صعوبة في التعبير بلغة واحدة. فجملهم تمزج غالبا بين الفرنسية والإنجليزية والعربية. ويتضح ذلك في مجموعات النقاش لدى المراهقين، إذ يستخدمون مصطلحات غير مفهومة، من دون قصد، وإنما كنتيجة لبيئتهم التكنولوجية".
ويضيف أن "الرموز التعبيرية، التي صُممت في الأصل للتعبير السريع عن الانفعالات، تحولت إلى أداة تواصل حقيقية. فقد نشأ الأطفال معها، ما أثر على كفاءاتهم اللغوية، لكنه منحهم أيضا لغة خاصة بهم".
أرقام وحروف
هذا الخطاب الهجين الذي يمزج بين الحروف والأرقام والرموز يخلق شفرة لا يفهمها سوى المطلعون عليها. ويرى بنزاكور أن لذلك عواقب على الذاكرة وعلى القدرة على الربط بين الكلمات ومعانيها، مبرزا أن "النتيجة هي هشاشة في التعبير، وإحباط لدى الشباب عندما لا يجدون الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرهم أو أفكارهم".
ويخلص المتحدث ذاته إلى القول بأنه "لا يعني ذلك أن الماضي كان أفضل، لكن هناك بالفعل تأثيرا ملموسا على تنمية مهارات الجيل الرقمي. صحيح أن الآلة اليوم قادرة على القيام بالكثير، لكن من الضروري التمييز بين الذكاء الاصطناعي والآلة من جهة، والذكاء الإنساني من جهة أخرى. الحذر واجب".
ورغم كل المخاطر، فإن الجيل الرقمي يرسم طريقة جديدة للوجود في العالم. والتحدي ليس في كبحه، بل في منحه الأدوات اللازمة لتحويل هذا الارتباط المفرط إلى ذكاء اجتماعي حقيقي.
مقالات ذات صلة
مجتمع
تكنولوجيا
مجتمع
فن و ثقافة