مجتمع
كيف يمكن أن يتلاءم تكوين الشباب مع سوق الشغل بالمغرب؟
10/10/2025 - 16:44
يونس أباعلي
يظل سؤال الملاءمة بين التكوين وسوق الشغل من أبرز القضايا التي تثير النقاش. فبينما يشكو شباب من البطالة رغم حصولهم على شواهد عليا، تشير التقارير الرسمية إلى أن عددا كبيرا من القطاعات ما زالت تعاني خصاصا في الكفاءات التقنية والمهنية المتخصصة.
ويعرف سوق الشغل، وفق معطيات صادرة عن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، تغيرات عميقة بفعل التحول الرقمي، وتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية، مما جعل الطلب يتجه نحو مهن جديدة ذات طابع تكنولوجي.
تكوينات مطلوبة وأخرى مشبعة
تم خلال هذه السنة رفع عدد المستفيدين من التكوين المهني من 25 ألفا إلى 100 ألف شاب وشابة. وتؤكد الوزارة الوصية أنها أعطت الأولوية للشباب المنقطعين عن الدراسة دون شهادات. بينما انخرطت الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات في تعبئة المقاولات ومواكبة الشباب نحو ولوج سوق الشغل.
كما تم إحداث شعب جديدة في القطاعات الصاعدة (الصحة، والرقمنة، والصناعة، والسياحة، والبناء، واللوجستيك، والصناعة التقليدية، والفلاحة)، ومواكبة الشباب نحو إدماج مهني مستدام.
وفي هذا الصدد، يشير الخبير في سياسات التكوين المهني، عبد الرحمان بنعلي، إلى أن هناك دراسات اقتصادية حديثة أكدت أن المغرب يعرف إقبالا كبيرا على تخصصات نظرية في العلوم الإنسانية والقانون والآداب، في حين أن سوق الشغل يطلب بكثافة خريجين في ميادين الهندسة الصناعية، والمعلوميات، وأمن المعلومات، والطاقات المتجددة، والصيانة التقنية.
وأكد، في تصريحه لـSNRTnews، أنه خلال السنوات الأخيرة برزت حاجة متزايدة إلى كفاءات في التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، تماشيا مع التحول نحو الاقتصاد الرقمي والمقاولات الناشئة. وفي حديثه أوضح أن المغرب قطع خطوات مهمة في تحديث منظومة التكوين، غير أن التحدي ما يزال قائما في ملاءمة البرامج مع الحاجيات الفعلية للمقاولات.
وقال بنعلي إن "الإشكال لا يكمن في عدد المتخرجين، بل في نوعية الكفاءات التي يتم إعدادها، ومدى ارتباطها بالتحولات التكنولوجية والاقتصادية التي يعرفها العالم".
وأضاف أن "مدن المهن والكفاءات تمثل نقلة نوعية في التفكير في التكوين، لأنها تُحدث جسرا بين المدرسة والمقاولة، وتمكّن الشباب من اكتساب مهارات تطبيقية تضمن لهم فرص إدماج أسرع وأكثر استدامة، لكن يجب التوقف عند مدى فعالية ما قامت به بعد إطلاقها للتماهي مع التطورات المتسارعة والتي تمس سوق الشغل بقوة".
ولا تقتصر متطلبات التشغيل على الشهادات التقنية فحسب، في نظره، بل تشمل أيضا ما يُعرف بـ"المهارات الناعمة" مثل القدرة على التواصل، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، وإدارة الوقت، وهي مهارات أكد أرباب العمل أنها أصبحت عاملا حاسما في ولوج سوق الشغل أو التدرج داخله.
وشدد على أن المغرب استثمر في السنوات الأخيرة في تطوير منظومة التكوين المهني عبر إنشاء مدن المهن والكفاءات بمختلف جهات المملكة، وهي مؤسسات عصرية تهدف إلى تكوين جيل جديد من التقنيين والمتخصصين في مجالات الصناعة، والطاقات المتجددة، والفندقة، والخدمات الرقمية.
مهارات "ناعمة"
ذكر الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الافريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، رشيد ساري، أن التوقعات تشير إلى أن عدة قطاعات ستقود النمو في سوق العمل خلال العقود القادمة. ويأتي في المقدمة قطاع التكنولوجيا المالية (الفينتك) الذي يشهد نموا متسارعا مع تطور الخدمات المصرفية الرقمية وحلول الدفع الإلكتروني.
هذا القطاع، يقول ساري ضمن تصريحه لـSNRTnews، يتطلب مهارات متخصصة في البرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات. كما يتوقع أن يشهد قطاع الصحة الرقمية تطورا كبيرا، وهذه التطورات ستخلق فرص عمل جديدة في البحث والتطوير والتصنيع والصيانة، مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
ومع تطور سوق العمل، أكد ساري أن طبيعة المهارات والكفاءات المطلوبة ستتغير بشكل جذري، وستزداد أهمية المهارات الرقمية الأساسية، مثل استخدام البرمجيات المتقدمة وفهم أساسيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتصبح ضرورية في معظم المهن.
وأبرز أن المهارات الناعمة ستكتسب أهمية متزايدة، خاصة مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة والإبداع. هذه المهارات ستصبح مميزة للعنصر البشري في مواجهة الأتمتة والذكاء الاصطناعي، مضيفا أنه ستظهر حاجة متزايدة للمهارات المتعددة التخصصات، حيث سيحتاج العاملون إلى فهم أساسيات عدة مجالات لتمكينهم من العمل في بيئات متعددة التخصصات، وهذا التطور يتطلب إعادة تفكير شاملة في مناهج التعليم والتكوين.
واعتبر أنه يتطلب، أيضا، تطوير برامج جديدة في قطاع التعليم العالي تتماشى مع احتياجات السوق، مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني والطاقات المتجددة. هذه البرامج، يضيف، يجب أن تتضمن تدريبات عملية مكثفة بالشراكة مع الشركات الرائدة في هذه المجالات.
وأكد على ضرورة إعادة تأهيل منظومة التكوين المهني لتصبح أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات السوق، وهذا يتطلب في نظره تطوير برامج تكوين قصيرة المدى في التخصصات الناشئة، وإنشاء مراكز تميز متخصصة في القطاعات الواعدة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في تصميم وتنفيذ برامج التكوين.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
سياسة
اقتصاد