سياسة
تقرير برلماني يرصد اختلالات في برامج محاربة الأمية
23/10/2025 - 13:29
يونس أباعلي
على الرغم من مرور أكثر من عقدين على إحداث الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، كشف تقرير برلماني عن اختلالات تعترض طريق البرامج الوطنية الهادفة إلى القضاء على الأمية بالمغرب.
وسجل التقرير، الذي غطى الفترة ما بين 2021 و2024، وأنجزته لجنة موضوعاتية بمجلس النواب، اختلالات متعددة تواجه مجهودات الدولة، أبرزها تشتت السياسات وضعف التنسيق المؤسساتي واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، رغم الميزانيات الكبيرة المرصودة سنويا.
تحسن محدود رغم الجهود
ذكر التقرير أنه رغم الجهود المبذولة منذ عقود، لا تزال ظاهرة الأمية قائمة وتشكل تحديا حقيقيا أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي، مرتكزا على أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي تشير إلى أن معدل الأمية عرف انخفاضا منذ سنة 1960، ليسجل خلال الفترة ما بين 2014 و2024 تحسنا ملحوظا، إذ تراجع من 32.20% سنة 2014 إلى 24.80% سنة 2024.
ويتبين من التقرير أن برامج محو الأمية تختلف في مدى ملاءمتها مع المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية للمجتمع المغربي.
في هذا السياق، لاحظ التقرير أن التمكين الاقتصادي في مضامين البرنامج محدود، والاهتمام المتواضع بمحاربة الأمية الصحية، والتجاوب النسبي مع أهداف تعزيز المهارات البيئية، وغياب واضح لبعد التمكين السياسي.
كما اعتبر أن هذه البرامج "تكرس بشكل متفاوت للمساواة بين الجنسين وبث ثقافة حقوق الإنسان"، والحضور الضعيف للأهداف ذات البعد الفني والجمالي في المقررات التعليمية.
أرقام متقلبة ومؤشرات متناقضة
ذكر التقرير أنه خلال المواسم من 2017/2018 إلى 2019/2020، شهدت مرحلة "محو الأمية" زيادة ملحوظة في عدد الجمعيات المكونة وعدد الاتفاقيات الموقعة. وارتفع عدد الجمعيات من 2021 في موسم 2017/2018 إلى 2339 جمعية في موسم 2019/2020، فيما قفز عدد الاتفاقيات من 828 إلى 2010 اتفاقية خلال نفس الفترة.
لكن ابتداء من موسم 2019/2020 بدأ منحنى الجمعيات في التراجع، ليصل إلى 1332 جمعية في موسم 2023/2024، مع تراجع تدريجي في عدد الاتفاقيات رغم بقائها مرتفعة مقارنة بالمواسم السابقة.
وعلى النقيض، شهدت مرحلة "ما بعد محو الأمية" نوعا من الاستقرار النسبي بين 2018 و2023 من حيث عدد الجمعيات والاتفاقيات، ما يعكس نوعا من الركود في وتيرة العمل بهذا البرنامج، كما جاء في التقرير.
غير أن الموسم 2023/2024 شكل نقطة تحول لافتة بحسب المصدر نفسه، إذ سجل البرنامج قفزة غير مسبوقة سواء من حيث عدد الجمعيات التي بلغت 2224 جمعية مقابل 727 في الموسم السابق، أو من حيث عدد الاتفاقيات التي ارتفعت إلى 2503 مقابل 548 فقط في الموسم المنصرم.
"فوضى" جمعيات
سلّط التقرير الضوء على مجموعة من الاختلالات التي تحد من فعالية البرامج، أبرزها ما وصفه النواب بـ"فوضى الجمعيات" وضعف المراقبة الميدانية.
ففي المستوى الثاني من برنامج "ما بعد محو الأمية"، الذي يفترض أن يشمل تكوينا حرفيا إلى جانب الدروس، تم تسجيل حالات عديدة تعتمد فيها جمعية واحدة على مؤطرة واحدة للقيام بمهام التدريس والتكوين الحرفي معا، ما يثقل كاهلها ويؤثر على جودة التكوين والمتابعة.
كما يعاني البرنامج من نقص حاد في المواد الأولية واللوازم البيداغوجية، ما يدفع بعض المؤطرات والمستفيدات إلى اقتنائها من ميزانياتهن الخاصة، في ظل غياب دعم مالي كاف ومخصص لهذا الغرض.
ولوحظ أن بعض الجمعيات تتلاعب بلوائح المستفيدين لتضخيم الأرقام، خصوصا في المستوى الأول، سعيا وراء استيفاء الشروط المفروضة من طرف الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، والتي تشترط 30 مستفيدا على الأقل في كل قسم للحصول على التمويل.
وأفادت جمعيات تمت زيارتها ميدانيا من طرف أعضاء المجموعة الموضوعاتية أن هذا الشرط يدفعها إلى ملء اللوائح بشكل عشوائي، خصوصا في المناطق القروية ذات الكثافة السكانية المحدودة، مما يحرم فئات عديدة من فرص التعلم الفعلي ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم.
ميزانيات ضخمة بلا أثر واضح
أبرز التقرير أن الموارد المالية المخصصة لمحاربة الأمية لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. فبينما ارتفعت الاعتمادات المالية للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، بقيت معدلات الأمية مرتفعة في الوسط القروي، خصوصا في جهات مثل درعة تافيلالت وبني ملال–خنيفرة، حيث تجاوزت النسبة 28%.
كما أشار التقرير إلى أن تدبير هذه الاعتمادات يفتقر إلى النجاعة والشفافية، بسبب تعدد المتدخلين وغياب آليات صارمة لتتبع الإنفاق وتقييم الأثر.
موارد بشرية تعاني الهشاشة والتهميش
من أبرز الملاحظات التي أوردها التقرير وضع المؤطرين والمكونين العاملين في برامج محو الأمية، إذ شدد على أن هؤلاء يعيشون هشاشة مهنية مزمنة، حيث يتأخر صرف تعويضاتهم لأشهر طويلة، وتُسند مهامهم إلى جمعيات تفتقر إلى التأهيل الإداري والتربوي.
التقرير وصف هذه الوضعية بأنها "ثغرة قاتلة في منظومة محاربة الأمية"، مؤكدا أن ضعف تكوين المؤطرين يؤثر مباشرة على جودة التعلمات واستمرارية المستفيدين.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
مجتمع
مجتمع
مجتمع