سياسة
ملك يكتب التاريخ
01/11/2025 - 18:20
جمال الخنوسي
في ليلة 31 من أكتوبر 2025، دخل المغرب عتبة تاريخية جديدة، لحظة فارقة ستُسجّل بأحرف من نور في ذاكرة الأمة المغربية. فقرار مجلس الأمن، الذي حظي بتأييد 11 دولة لم يكن مجرد قرار دبلوماسي عابر، بل تتويجا لمسار طويل من الحكمة الملكية والدبلوماسية الرشيدة، التي قادها جلالة الملك محمد السادس، بصبر استراتيجي وبعد نظر سياسي، قل نظيره.
ما يميز هذا الإنجاز هو أنه ليس وليد الصدفة، بل ثمرة عمل دبلوماسي دؤوب امتد لعقود، إذ شهد المسار الدولي لقضية الصحراء المغربية تطوراً متصاعداً ومتسارعاً في الاعتراف بسيادة المملكة، حيث أصبحت مبادرة الحكم الذاتي المغربية، المقدمة في أبريل 2007، محور الإجماع الدولي المتنامي. وحظيت بدعم أكثر من 120 دولة عبر العالم، معتبرةً إياها الحل الوحيد للنزاع الإقليمي المفتعل. وقد وصفها مجلس الأمن الدولي فور تقديمها بأنها "جدية وذات مصداقية" في قراره 1754، وهو الوصف الذي تكرر في اثنين وعشرين قراراً لاحقاً، مما يعكس ثبات الموقف الأممي وتطوره لصالح المقترح المغربي.
وعلى المستوى الأوروبي، حظي الملف بدعم 23 دولة من أصل 27 عضوا في الاتحاد الأوروبي، بما فيها دول مؤثرة انضمت مؤخرا، مثل بولندا وبلجيكا وسلوفينيا وفنلندا والدنمارك وإستونيا. كما عبرت المملكة المتحدة عن دعم قوي للمبادرة، واصفة إياها بأنها "الأساس الأكثر مصداقية وواقعية وبراغماتية" للحل. والأهم من ذلك أن أعضاء دائمين في مجلس الأمن دعموا المبادرة المغربية، ما منحها ثقلا سياسيا وقانونيا استثنائيا.
وأثبتت الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك، أنها دبلوماسية من طراز رفيع، تجمع بين الحزم والمرونة، بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الحوار، إذ استطاعت المملكة بناء شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرنسا وبريطانيا، ومن دول الخليج الشقيقة إلى العديد من الدول الإفريقية والأوروبية. هذا الدعم الدولي المتنامي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة سياسة خارجية متوازنة، تقوم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل والمصداقية في الالتزامات.
في خطابه التاريخي عقب صدور القرار، رسم جلالة الملك محمد السادس ملامح المرحلة المقبلة بوضوح وثقة. قوله "هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده" ليس مجرد عبارة بلاغية، بل هو توصيف دقيق لمنعطف تاريخي حقيقي. فالدعوة الملكية السامية للحوار الأخوي الصادق مع الجزائر تعكس حكمة ونضجا سياسيا، وتؤكد أن المغرب ليس دولة منتصرة تبحث عن ثأر، بل دولة مسؤولة تسعى للاستقرار الإقليمي والتكامل المغاربي على أسس متينة من الاحترام المتبادل.
يقول صاحب الجلالة "ورغم التطورات الإيجابية، التي تعرفها قضية وحدتنا الترابية، يبقى المغرب حريصا على إيجاد حل لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. فالمغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصارا، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات. وفي هذا السياق، نوجه نداء صادقا، لإخواننا في مخيمات تندوف، لاغتنام هذه الفرصة التاريخية، لجمع الشمل مع أهلهم، وما يتيحه الحكم الذاتي، للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية، وفي تنمية وطنهم، وبناء مستقبلهم، في إطار المغرب الموحد".
إن ما يكتبه جلالة الملك محمد السادس اليوم ليس مجرد فصل في تاريخ القضية الوطنية، بل هو درس في فن السياسة والدبلوماسية للأجيال القادمة. درس يقول إن النصر الحقيقي يُبنى بالصبر الاستراتيجي، بالعمل الدؤوب، بالمصداقية الدولية، وبالثقة في عدالة القضية. فبعد خمسين عاما من التضحيات، يدخل المغرب مرحلة الحسم بثقة وثبات، تحت قيادة ملك يكتب التاريخ بحكمة واقتدار.
لقد ظل المغرب مرفوع الرأس، يصوغ مستقبله بهدوء الملوك وبإيمان الشعوب. من طنجة إلى لكويرة، لم يعد الحلم خريطة، بل واقعا يتشكّل أمام أعيننا.
عاش الملك، عاش المغرب.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
سياسة
تكنولوجيا
عالم
سياسة