ذكاء اصطناعي
أي نموذج لذكاء اصطناعي مغربي؟ .. خبراء يناقشون التحديات والحلول
14/01/2026 - 00:30
يونس أباعلي
لم يعد الذكاء الاصطناعي في المغرب موضوعا تقنيا أو مجرد شعار، بل أصبح خيارا استراتيجيا تتقاطع عنده عدة رهانات وتواجهه تحديات.
هذا ما عكسته أشغال يوم AI Made in Morocco، أمس الاثنين 12 يناير 2026، الذي جمع مسؤولين حكوميين، وخبراء، وباحثين، ومقاولين، وممثلي القطاع الخاص، لتسليط الضوء على موقع المغرب في الخريطة العالمية للذكاء الاصطناعي.
وخرجت النقاشات بخلاصة أن تحقيق الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي يبدأ من العلم وينتهي بالتطبيق، وأن نجاح المغرب رهين بقدرته على تحويل المعرفة، والبيانات، والبحث، إلى حلول عملية تخدم الاقتصاد والمجتمع. كما أبرزت الجلسات أن السيادة الرقمية لا يمكن أن تتحقق دون استثمارات قوية في البيانات، والحوسبة، والاتصال، ضمن رؤية مستدامة، مسؤولة، وذات بعد بيئي، تضمن الاستقلالية والمرونة على المدى الطويل.
وشددت النقاشات التي تمحورت حول التمويل والاستثمار، على أن بناء منظومة ذكاء اصطناعي وطنية يتطلب نماذج تمويل مبتكرة، وشراكات متوازنة بين القطاعين العام والخاص، قادرة على مواكبة المشاريع من مرحلة البنية التحتية إلى خلق القيمة الاقتصادية.
وتم التأكيد على أن تحديث الإدارة العمومية لم يعد يقتصر على رقمنة المساطر، بل يستوجب إعادة تصميم شاملة لمسارات الخدمات، ترتكز على المستخدم، وتستثمر الذكاء الاصطناعي لتحسين الجودة، والسرعة، والشفافية، وتعزيز الثقة.
وخلصت إلى أن نجاح مشروع "جزري" يُقاس بقدرته على إحداث أثر فعلي في حياة المواطنين، وفي تنافسية المقاولة المغربية، وفي تموقع المملكة كقطب إقليمي وقاري للذكاء الاصطناعي الموثوق.
من المختبر إلى السوق.. بناء الجسور
أكد المشاركون أن المغرب يمتلك كفاءات بحثية مشهودا لها، لكن الحلقة المفقودة تكمن في التصنيع. وشدد المتدخلون على أن معاهد جزري (Jazari Institute) تمثل اليوم الركيزة الأساسية للعب دور الوسيط أو "المحفز" الذي ينقل المعرفة من الجامعة إلى قلب المقاولة.
وبحسب المشاركين، لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي دون وجود جسور حقيقية بين الجامعة والشركة، فالمختبرات المغربية تنتج معرفة، لكن هذه المعرفة يجب أن تجد طريقها إلى التصنيع.
وأجمع الخبراء على أن IA لا يمكن أن يزدهر دون سيادة كاملة على البيانات والقوة الحسابية، وتم التأكيد على أن الاستثمار في مراكز البيانات المحلية ليس مجرد خيار تقني، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان أمن المعلومات المغربية، وتوفير بيئة خصبة للمبتكرين المحليين لمعالجة بياناتهم دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على السحب الإلكترونية الأجنبية.
وتم التأكيد على أن دور معهد جزري هو أن يكون هذا المحفز الذي يربط بين احتياجات السوق وقدرات الباحثين.
وأكد مشاركون أن السيادة الرقمية تعني امتلاك القدرة على معالجة البيانات محليًا، وأن الذكاء الاصطناعي يتطلب قوة سحابية هائلة، وأن الاستثمار في مراكز البيانات داخل المغرب هو حجر الزاوية.
ولم يغب الجانب التنظيمي عن النقاش، حيث دعا المشاركون إلى اعتماد حكامة "مرنة" تواكب السرعة الهائلة لتطور التكنولوجيا. وتم تسليط الضوء على ضرورة إرساء قواعد ثقة متينة بين الباحثين والقطاع الخاص، خاصة في ما يتعلق بـ"حماية الملكية الفكرية"، لضمان حقوق المبتكرين وتشجيع الشركات على الاستثمار في الأفكار المغربية الخالصة.
وكأحد أبرز الأمثلة التطبيقية، استعرضت الجلسة إمكانات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة بالمغرب. وأوضح المتدخلون أن بناء فرق "متعددة التخصصات" تجمع بين الأطباء، ومهندسي البيانات، والخبراء القانونيين، هو السبيل الوحيد لتطوير أدوات تشخيص دقيقة ومسؤولة أخلاقيا، قادرة على إحداث ثورة في جودة الخدمات الصحية المقدمة للمغاربة.
وفي إحدى الجلسات، أشار طارق داودة، أستاذ متخصص في الذكاء الاصطناعي التطبيقي في علم الأحياء، إلى أنه يتوجب استخدام IA كـ"تليسكوب" للاستكشاف، مؤكدًا أنه لا يرتبط فقط بالدردشة، بل يجب الاشتغال عليه ليعطي الحلول للمشاكل.
وبخصوص دور البحث العلمي في عمل "جزري"، وهل للمغرب ما يكفي من بيانات يمكن استخدامها، اعتبر أن البحث هو الذي طوّر وابتكر IA، وبالتالي يجب طرح نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، والتركيز على البحث الدقيق والمحدد، وعدم تقليد ما يفعله الآخرون، بل تطوير نماذج مبسطة وأقل كلفة، والدفع نحو خلق تطبيقات ليس فقط لنفهم بعضنا البعض، بل لتعطينا الحلول لمشاكلنا.
أما نور الدين بوخروع، رئيس خدمات التسويق في المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، فلفت إلى أنه تم تقديم 300 طلب براءة اختراع بين 2014 و2024 تتعلق بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيرًا إلى أن الشركات الصينية هي التي في المقدمة.
نحو بلورة الاختيارات الوطنية
أبرزت النقاشات أن المغرب اختار مقاربة تقوم على الذكاء الاصطناعي السيادي، باعتباره شرطًا للاستقلال التكنولوجي وحماية المعطيات الحساسة للدولة والمواطنين.
وقد شكلت النقاشات، أمس الاثنين، والتي جمعت أزيد من 2500 مشارك من مختلف القطاعات، محطة تأسيسية لتحديد التوجهات الكبرى، ووضع اللبنات الأولى لاستراتيجية وطنية منسجمة مع رؤية Maroc Digital 2030.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كغاية في حد ذاته، بل كرافعة للإنصاف، وتحسين الخدمات العمومية، وخلق قيمة مضافة اقتصادية، مع الحرص على إدماجه ضمن مقاربة شمولية وتشاركية.
رهان السيادة والقدرة التنافسية
ركزت المداخلات بشكل لافت على مسألة البنيات التحتية الرقمية السيادية، باعتبارها العمود الفقري لأي مشروع وطني للذكاء الاصطناعي.
ويبرز في هذا الإطار مشروع إحداث مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في الداخلة، المعتمد على الطاقات المتجددة، كمؤشر على توجه المغرب نحو الجمع بين التحول الرقمي والاستدامة البيئية. كما تم التأكيد على أهمية تطوير مراكز بيانات، ومنصات حوسبة عالية الأداء (GPU)، ونماذج هجينة تجمع بين السحابة التقليدية و"النيو كلاود"، بما يضمن المرونة، والأمن، والتحكم الوطني في المعطيات.
الرأسمال البشري
أجمعت النقاشات على أن الرأسمال البشري يظل الحلقة الحاسمة في نجاح أي استراتيجية للذكاء الاصطناعي. وفي هذا الصدد، تم استعراض مجهودات المغرب في إحداث مدارس للبرمجة، وبرامج تكوين متخصصة، إلى جانب مشاريع طموحة لتكوين 1200 شاب سنويا في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
وتندرج معاهد Jazari ضمن هذا التوجه، حيث تهدف إلى هيكلة سلسلة القيمة الوطنية للذكاء الاصطناعي، وربط البحث العلمي بالتطبيقات العملية، وتوزيع مراكز التميز بشكل يراعي العدالة المجالية، بما يجعل الابتكار رافعة للتنمية الترابية وليس امتيازا مركزيا.
الحكامة والأخلاقيات: ذكاء اصطناعي مسؤول
لم تغب الأسئلة الأخلاقية عن النقاش، بل شكلت محورًا مركزيا، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالتحيز الخوارزمي، وجودة البيانات، وشفافية القرارات الآلية. وتم التأكيد على ضرورة إرساء إطار أخلاقي وتنظيمي مرن، يستند إلى معايير دولية، ويضمن في الوقت ذاته احترام الخصوصيات الوطنية.
كما تم التشديد على أهمية قابلية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي، خصوصا في القطاعات الحساسة كالصحة، والقضاء، والخدمات العمومية، باعتبارها شرطا أساسيا لتعزيز ثقة المواطنين في هذه التقنيات.
دعم الشركات الناشئة وبناء منظومة استثمارية
اقتصاديا، برز الذكاء الاصطناعي كرافعة لإعادة تشكيل النسيج المقاولاتي، خاصة عبر دعم الشركات الناشئة والمقاولات الصغرى والمتوسطة. وأُعلن عن آليات لدعم 800 شركة ناشئة بميزانية تفوق 700 مليون درهم، في محاولة لإرساء منظومة متكاملة تجمع التمويل، والمواكبة، والولوج إلى البنيات التحتية والأسواق.
غير أن المتدخلين شددوا على أن نجاح هذه الدينامية يظل رهينا بتجاوز الإكراهات الجبائية والقانونية، وتعزيز الطلب العمومي والخاص على الحلول المبتكرة، وليس الاكتفاء بتحفيز العرض.
أفق قاري ودولي
في بعده الجيو-استراتيجي، يطمح المغرب إلى التموقع كقطب رقمي إفريقي، من خلال تعاون ثلاثي يربط تكنولوجيات الشمال بالكفاءات المحلية، لدعم تنمية بلدان الجنوب، وتعزيز الحضور الإقليمي للمملكة. ويستند هذا الطموح إلى مزيج من الاستقرار المؤسساتي، والطاقات المتجددة، والرأسمال البشري الشاب.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
ذكاء اصطناعي