سياسة
كرة القدم في ميزان الحكمة
23/01/2026 - 14:19
جمال الخنوسي
عندما يكثر اللغط والتشدد، ويعلو الصخب على صوت العقل، تأتي الكلمة الملكية لتعيد الأمور إلى نصابها، وترتب المشهد وتضبط توازنه.
كلمة لا تسعى لإطفاء الفرح أو لتغطي على إخفاق، بل لتمنح الحدث معناه وحدوده. فبلاغ الديوان الملكي الصادر في 22 يناير 2026، عقب الدورة 35 لكأس افريقيا للأمم التي احتضنها المغرب بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، بدا أقرب إلى نوع من المراجعة الهادئة والرصينة لما وقع. إنه تثبيت لما تحقق من إنجازات، وخلاص من التطفل والانفعال. إنه رسالة سياسية وأخلاقية تتجاوز كرة القدم.
لقد اختار صاحب الجلالة قاموسا مختلفا على ما أملته العواطف وردود فعل متسرعة تحت ضغط الحماس واللحظة الرياضية: وذهب الى قاموس الشكر والتنويه والتقدير الذي خص به الجهد الجماعي. لأن الرسالة الأساسية هي أن قيمة الحدث لا تختزل في النتيجة النهائية، بل في قدرتنا كمغاربة على تنظيمه بإتقان، والعبور به إلى صورة تشرفنا بين الأمم الكبرى. فقد كانت البطولة القارية مرآة لبلد راكم الخبرة في مختلف المجالات، واختبر جاهزيته لما هو أكبر، ولن يكون قط ساحة لمباراة ظرفية تقوده للانفعالات المجانية.
إن بلاغ الديوان الملكي يربط بين الإنجاز الرياضي والطفرة النوعية في البنيات التحتية والسياسة الرياضية الذي يقودها صاحب الجلالة، إنه انتقال واضح بين منطق الاحتفال الظرفي والرقي به الى منطق المسار. فما حققه المغرب والمغاربة في الرياضة والإعلام والبنيات الاستراتيجية... ليس مفاجأة عاطفية بل ثمرة لنظرة ملكية متبصرة، وأن النتائج المتميزة ليست صدفة، بل مشروعا واضح المعالم. إنه نجاح تاريخي يجب أن يقرأ باعتباره مؤشرا على دولة تعرف كيف تشيد، وتستثمر، وتزرع أبناءها حول العالم في قلب سرديتها الوطنية الجامعة.
لقد استضاف المغرب والمغاربة إفريقيا في عقر بيوتهم، ونقلوا عبر قنواتهم التلفزيونية الفرح الشعبي والحماس الرياضي بطريقة استثنائية، باعتبارهم أمة قادرة على التنظيم واحتضان القارة بكل الحب والتقدير اللازمين. فالنجاح المغربي هو في الحقيقة نجاح لإفريقيا برمتها: فما الذي سنربحه إذا حولنا الفرح الإفريقي إلى مناسبة للشقاق؟
إن افريقيا ليست فضاء تابعا أو ملحقة، بل امتداد طبيعي، وفي الآن ذاته، رهان استراتيجي وحضاري وإنساني. لذلك يصر الديوان الملكي، في بلاغه، على أن المغرب كان وسيظل بلدا إفريقيا كبيرا. فالهوية ليست شعارات مستهلكة بل مسؤولية يتحملها المغرب بكل صدق وتفان.
إن بلاغ الديوان الملكي يؤكد على أمر بسيط وعميق في الآن ذاته، مفاده أن السياسة الرشيدة لا تدار بالانفعالات، والانتماء للهوية الإفريقية لا يقاس بصوت المدرجات، بل بصلابة الاختيارات وعمق الروابط. وفي وقت تتسابق فيه منصات التشهير الرخيصة على صناعة الأوهام، تأتي الحكمة الملكية لتستعيد ما هو متجذر: الشراكات القوية، والثقة المتبادلة والمصير المشترك. هذا إذن جوهر الرسالة: فوق ضجيج اللحظة، هناك أمة تتقدم، وقارة تراكم التجارب، وعلاقات لا تهزمها الدقائق الأخيرة من مباراة لكرة القدم.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
سياسة
تكنولوجيا
عالم
سياسة