مجتمع
ارتفاع أسعار المحروقات.. هل يشكل العمل عن بعد خيارا لترشيد الطاقة في المغرب؟
28/03/2026 - 23:10
خولة ازنيزني
عاد العمل عن بعد ليطرح مجددا كأحد الخيارات المطروحة لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الاضطرابات التي يعرفها سوق النفط العالمي على خلفية التوترات في الشرق الأوسط، وما رافقها من ارتفاع ملحوظ في أسعار المحروقات وتزايد المخاوف بشأن تأثيرها على كلفة الطاقة والاقتصادات المستوردة للمحروقات.
وفي هذا السياق، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل عنوانها الأبرز تقليص الاستهلاك الطاقي، حيث عاد العمل عن بعد إلى النقاش كإجراء يمكن أن يخفف من التنقل اليومي للموظفين ويحد من استهلاك الوقود، فقد شرعت إندونيسيا، على سبيل المثال، في فرض العمل عن بعد يوما واحدا في الأسبوع.
وفي المغرب، يطرح هذا التوجه تساؤلات حول مدى إمكانية اعتماده، خاصة أن البلاد تستورد أكثر من 90 في المائة من حاجياتها الطاقية.
وفي هذا الصدد، يرى رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، رشيد ساري، أن العمل عن بعد يمكن أن يشكل وسيلة لتخفيف الضغط عن استهلاك المحروقات، خاصة في الظرفية الحالية التي تعرف ارتفاعا في أسعار النفط.
وأوضح ساري، في تصريح لـSNRTnews، أن العمل الهجين يتفوق في النجاعة مقارنة بالعمل عن بعد بشكل كلي، إذ يساهم بدوره في تخفيف استهلاك المحروقات، وفي الوقت نفسه يحافظ على المنافع والمكتسبات النفسية المرتبطة بالاشتغال من مقرات الشركات والمؤسسات.
تأثير على الاستيراد
وأضاف أن اعتماد العمل عن بعد يمكن أن يساهم في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من استهلاك البنزين والغازوال، خاصة في ظل التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالأزمة في الشرق الأوسط وما يرافقها من ارتفاع في أسعار النفط، التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مقابل سعر مرجعي في الميزانية يقارب 65 دولارا.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الظرفية تفرض التفكير في إجراءات لتقليص الاستهلاك الطاقي، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، مؤكدا أن اعتماد العمل عن بعد يمكن أن يساهم في تقليص الطلب على المحروقات والحد من الضغط على الميزانية، بالنظر إلى الكلفة المرتفعة للفواتير الطاقية خلال فترات التوترات الجيوسياسية.
كما لفت إلى أن هذا التوجه قد ينعكس أيضا على مصاريف الأسر، من خلال تقليص تكاليف التنقل اليومية وتخفيف الضغط على شبكات الطرق، خاصة في المدن الكبرى التي يشكل فيها النقل أحد أبرز مصادر الطلب على المحروقات، ما قد يساهم بشكل غير مباشر في الحد من التأثيرات التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف النقل.
وفي السياق نفسه، يتقاطع هذا النقاش مع مسألة تقنين العمل عن بعد، حيث أشار ساري إلى إعداد وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات مسودة أولية لإدراج العمل عن بعد ضمن مدونة الشغل.
كما سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أوصى منذ سنة 2020 بضرورة تقنين هذا النمط من العمل، باعتباره وسيلة لتعزيز مرونة سوق الشغل وتحسين جودة الحياة المهنية.
من جهته، يرى أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالمحمدية والخبير في التخطيط الاستراتيجي والمحلل الاقتصادي، زهير الخيار، أن العمل عن بعد يحمل مجموعة من الإيجابيات، لكنه يتطلب أيضا الانتباه إلى عدد من الشروط لضمان نجاعته.
وأوضح الخيار، في تصريح لـSNRTnews، أن العمل من المنزل يمكن أن يساهم في ترشيد استهلاك الطاقة والمحروقات والتقليل من الضغط على البيئة، خاصة مع توقعات استمرار ارتفاع أسعار الوقود، كما قد يخفف من الأعباء المرتبطة بالتنقل اليومي للموظفين، ويمكن أن ينعكس إيجابا على مردودية العمل.
وأضاف أن هذا النمط من العمل يظل ممكنا في المغرب، خاصة أنه سبق اللجوء إليه خلال فترة جائحة كورونا، غير أنه في المقابل يستدعي وضع ضوابط واضحة لتنظيمه، إذ ينبغي أن يتم وفق مقاربة مرنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المهن التي تتطلب حضورا فعليا في مقر العمل.
بنية تحتية رقمية
كما شدد على أن عددا كبيرا من الوظائف لا يمكن ممارسته بشكل كامل عن بعد، بينما يمكن تطبيق صيغة العمل الهجين، التي تجمع بين الحضور والعمل من المنزل، إذ تعتبر خيارا أكثر واقعية في العديد من القطاعات.
ولفت المتحدث إلى أهمية توفر البنية التحتية الرقمية والتجهيزات التقنية الضرورية لإنجاح هذا النمط من العمل، إضافة إلى تعزيز الكفاءات الرقمية لدى الموظفين.
ورغم الفوائد التي يمكن أن يحققها العمل عن بعد في تقليص استهلاك الوقود المرتبط بالتنقل اليومي، فإن هذا النموذج يطرح بدوره تحديات، من بينها ارتفاع استهلاك الكهرباء داخل المنازل، إضافة إلى الفوارق بين من تسمح لهم طبيعة وظائفهم بالعمل من المنزل ومن يضطرون إلى الحضور الميداني.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أصدرت مجموعة من التوصيات لتقليص استهلاك الطاقة بالتزامن مع أزمة الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، من بينها اعتماد العمل من المنزل كلما كان ذلك ممكنا، استنادا إلى أن العمل عن بعد ليوم واحد في الأسبوع يمكن أن يساهم في توفير نحو 1 في المائة من استهلاك النفط العالمي المرتبط بالنقل سنويا، نتيجة تقليص التنقل اليومي بالسيارات.
كما أوصت الوكالة بإجراءات أخرى مثل خفض السرعة المسموح بها على الطرقات بنحو 10 كيلومترات في الساعة، وتفادي السفر الجوي متى توفرت بدائل أقل استهلاكا للطاقة.
وفي عدد من الدول، لم يعد العمل عن بعد مجرد خيار تنظيمي ارتبط بفترة جائحة كورونا، بل تحول إلى أداة عملية لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية. فقد شرعت العديد من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا، في اعتماد هذا النمط من العمل لتقليل الضغط على شبكات الكهرباء والوقود، في إطار البحث عن حلول عملية لترشيد الاستهلاك الطاقي.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد