سياسة
فجوة القراءة أم طغيان الهوس الانتخابي .. لماذا لا نقرأ كتبا للسياسيين المغاربة؟
10/05/2026 - 15:05
يونس أباعلي
في الوقت الذي يميل السياسيون في أوروبا إلى توظيف الكتاب كأداة انتخابية واستباقية تُستخدم لتقديم البرامج وصياغة الوعود قبل الوصول إلى مركز القرار، يغلب الطابع التوثيقي على إنتاج السياسيين المغاربة، حيث تتحول الكتابة إلى مذكرات وشهادات تُكتب بعد التجربة السياسية.
في فرنسا مثلا، يُعِد رئيس الحكومة الأسبق غابرييل أتال لكتاب جديد يكشف فيه تصوره لمستقبل فرنسا، تمهيدا لدخوله سباق خلافة إيمانويل ماكرون الذي بدوره كان قد أصدر كتابا (الثورة) عندما كان يخوض حملته الانتخابية.
كما يكشف بحثٌ في الفضاء الرقمي أن سياسيين قبله أصدروا كتبا حول تصوراتهم وتحليلاتهم، كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي وفرانسوا ميتران وبرونو روتايو وجوردان بارديلا وجان لوك ميلونشون ومارين لوبين. وبالتالي في فرنسا وأوروبا، ظل كثير من السياسيين يكتبون مذكرات وكتبا فكرية وبرامج سياسية أصبحت مراجع لمعرفة التحولات واستشراف المستقبل.
أرشفةُ التجربة
في بداية العام الماضي كشف حزب التجمع الوطني للأحرار عن كتاب "مسار الإنجازات"، قدمه كوثيقة تُوثق المسار وتُقيم التجربة وتستشرف الآفاق. بينما أصدر عبد الله بووانو، عن حزب العدالة والتنمية، كتابا حول "أزمة القطيع الوطني"، وقبلهما ألّف لحسن حداد كتابا عن "الذاكرة، الجيوسياسية والسيادة"، أما نبيل بنعبد الله فقدّم العام الماضي مؤلفه حول "الرباط مدينة الأنوار".
مع ذلك، يتخذ الكتاب السياسي في المغرب مسارا مختلفا، وتصبح الكتابة السياسية في المغرب أقرب إلى أرشفة التجربة منها إلى تصميم المشروع السياسي. وفي هذا الإطار، يقدّم القيادي في حزب التقدم والاشتراكية إسماعيل العلوي قراءة تفسّر محدودية انتشار الكتاب السياسي في المغرب بعوامل اجتماعية وثقافية ومعرفية متداخلة، معتبرا أن ضعف إقبال السياسيين المغاربة على إصدار الكتب لا يرتبط فقط بالأفراد، بل بطبيعة البيئة المجتمعية والسياسية ككل.
يقول صاحب كتاب "النضال الديمقراطي في المغرب، رهانات الماضي وأسئلة الحاضر"، الصادر سنة 2017، في تصريح لـSNRTnews "هناك اختلاف ثقافي ومجتمعي واضح يفسر إلى حد بعيد لماذا لا نجد حضورا قويا للإصدارات السياسية في المغرب، بخلاف ما هو قائم في عدد من الدول الأوروبية، حيث أصبح الكتاب جزءا من الممارسة السياسية ومن صورة السياسي داخل المجتمع".
وتابع موضحا أن معدل القراءة يبقى عاملا أساسيا في هذا السياق، إذ بحسبه حين تكون حتى الإصدارات الأدبية والفكرية العادية تعاني ضعفا في الإقبال، فمن الطبيعي أن يجد الكتاب السياسي صعوبة أكبر في الوصول إلى القراء واستقطاب اهتمامهم، خاصة وأن هذا النوع من الكتب يحتاج إلى قارئ مهتم بالشأن العام وبالنقاش السياسي. كما لاحظ أن الإنتاج يكون بعد التجربة السياسية، وليس في إبانها، عبر مذكرات وشهادات تؤرخ لماضٍ.
تنازعُ الفعل الميداني والإنتاج العلمي
في تصريحه لـSNRTnews، يرى أستاذ الخطاب السياسي، عبد الحميد بنخطاب، أن التاريخ السياسي الفرنسي تأسس على حضور المثقف داخل دوائر الحكم وصناعة القرار، منذ الثورة الفرنسية، حيث ارتبطت السياسة بالكتابة والفكر والفلسفة. في المقابل، يرى أن السياسة في المغرب تطورت باعتبارها مهنة، لا يشترط في ممارسِها التكوين الأكاديمي أو الإنتاج الفكري، بل ترتكز أساسا على الكاريزما والقدرة على التأثير وبناء الثقة لدى الناخبين.
يصف بنخطاب السياسي بأنه فاعل ميداني أقرب إلى الرياضي الذي يحقق النتائج داخل الملعب، مضيفا أن المعيار الأساسي للنجاح السياسي لا يرتبط بالرصيد الأكاديمي أو الإنتاج المعرفي، بل بالقدرة على إدارة التوازنات، واستثمار الذكاء الشخصي، وتوظيف الحضور الرمزي داخل الفضاء العام.
يثير بنخطاب أيضا إشكالا آخر يتعلق بطبيعة الإنتاج داخل الحقل السياسي المغربي، حيث أشار إلى أن السياسيين "لا ينتجون بالضرورة إنتاجا علميا"، بل يركزون على الإنتاج السياسي المرتبط بالمواقف والقرارات والتدبير اليومي للشأن العام.
غير أن محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، لا يتفق مع من يرون في الفاعل السياسي مجرد فاعل يعول على الميدان، إذ كشف أنه انتهى من كتاب سيصدر قريبا. كتاب أوزين كما قال ليس فقط تصورا بل يناقش فيه قضايا عديدة، ويُحللها، على مستويات مختلفة.
ضمن حديثه لـSNRTnews لفت إلى أن الكتاب الذي كان سيُعلن عنه العام الماضي يتناول جوانب الدبلوماسية والفن والسياسة وغيرها، لكنه انشغل بالحزب وكان مقررا أن يكون معرض الكتاب والنشر الحالي مناسبة للإعلان عنه، غير أنه وجد نفسه منشغلا بالإعداد للانتخابات المقبلة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
سياسة
فن و ثقافة
سياسة