سياسة
لفتيت: وكالات تنفيذ المشاريع أخفقت وندرة الكفاءات تؤرق الوزارة
21/05/2026 - 18:58
يونس أباعلي
أقرّ وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، بأن تجربة وكالات تنفيذ المشاريع التابعة للجهات لم تُحقق الأهداف التي أُحدثت من أجلها، معتبرا أن بعض هذه الوكالات عانت اختلالات في التدبير حدّت من قدرتها على تنزيل المشاريع التنموية بالنجاعة المطلوبة.
وأوضح أن التوجه الآن هو اعتماد نموذج الشركات الجهوية باعتباره صيغة أكثر مرونة وفعالية لتسريع إنجاز برامج التنمية الترابية المندمجة.
وخلال المناقشة التفصيلية لمشروع القانون التنظيمي للجهات بمجلس المستشارين، أوضح لفتيت أن المشرع، عند إقرار القانون التنظيمي 111.14، كان يهدف إلى منح الجهات آلية تقنية وإدارية تساعدها على تنفيذ المشاريع في ظروف أفضل وبسرعة أكبر، غير أن التجربة الميدانية أظهرت، بحسب تعبيره، أن محاولة تبسيط المساطر تحولت في بعض الحالات إلى عامل تعقيد بدل التيسير.
وأشار الوزير إلى أن تقييم حصيلة وكالات تنفيذ المشاريع كشف تفاوتا واضحا بين الجهات، فبعضها اعتبر هذه الوكالات عديمة الجدوى، فيما لم تتمكن جهات أخرى من تحقيق النتائج القوية التي كانت منتظرة، ما دفع وزارة الداخلية إلى البحث عن نموذج بديل أكثر قدرة على مواكبة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية.
شركات عمومية برئاسة رؤساء الجهات
في توضيح لطبيعة الشركات المرتقب إحداثها، شدد وزير الداخلية على أنها ستكون شركات عمومية برأسمال مملوك للدولة والجهات، وليست مؤسسات ذات طابع ربحي أو موجهة نحو البورصة أو فتح الباب أمام المستثمرين الخواص. وأضاف أن هذه الشركات لن تخضع للضرائب باستثناء الضريبة على القيمة المضافة، بالنظر إلى طبيعتها العمومية والخدماتية.
وأكد لفتيت أن رئيس الجهة سيتولى رئاسة مجلس إدارة الشركة، معتبرا أنه سيكون المسؤول الأول عن توجيهها وضمان فعاليتها، في حين استبعد أن يتولى المجلس المنتخب بكامل أعضائه التدبير المباشر للشركة، تفاديا لنقل الخلافات السياسية والتجاذبات داخل المجالس إلى أجهزة التسيير.
وفي السياق ذاته، كشف الوزير عن صعوبات مرتبطة بندرة الكفاءات القادرة على إدارة هذه المؤسسات، موضحا أن الوزارة ما تزال منذ سنتين تبحث عن أطر لتولي مناصب مدراء عامين، مع إعلان استعدادها لدعم أي كفاءات تقترحها الجهات.
رقابة المجلس الأعلى للحسابات
أعلن وزير الداخلية أن الشركات الجهوية الجديدة ستخضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مؤكدا أن مشاريع التنمية المندمجة ستكون متاحة للتتبع العمومي بشكل كامل، بما يسمح للمواطنين بالاطلاع على مختلف مراحل إنجاز المشاريع، من البرمجة إلى التنفيذ والانتهاء.
كما دعا لفتيت إلى تجاوز ما وصفه بالنقاش التقليدي بين المنتخب والمُعين، معتبرا أن معيار النجاح لا يرتبط بالصفة بل بالكفاءة والقدرة على العمل، مشيرا إلى وجود منتخبين ناجحين كما يوجد معينون ناجحون، والعكس صحيح. وشدد على أن نجاح برامج التنمية رهين بالتكامل والتنسيق بين مختلف المتدخلين، لا بالصراعات أو منطق الزعامة.
وأوضح الوزير أن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس، فرض البحث عن صيغة تجمع بين إشراف الجهات وضمان النجاعة في التنفيذ، مؤكدا أن عددا من المقترحات التي تضمنها مشروع القانون الحالي جاءت نتيجة مشاورات واجتماعات عقدت بمختلف الأقاليم والجهات.
برلمانيون يحذرون
في المقابل، أثار مشروع الشركات الجهوية نقاشا داخل لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، حيث عبّر مستشارون عن مخاوف من تحول هذه الشركات إلى "مراكز قرار موازية" قد تُضعف مكانة المجالس المنتخبة وتطرح إشكالات مرتبطة بالحكامة والمحاسبة والشفافية.
وطالب المتدخلون بتحديد دقيق لصلاحيات المدراء العامين وضمان بقاء القرار الاستراتيجي بيد الهيئات المنتخبة، إلى جانب توفير ضمانات قانونية واجتماعية لفائدة الموظفين والمستخدمين الذين سيشملهم الانتقال من وكالات تنفيذ المشاريع إلى الشركات الجهوية الجديدة.
ودعا فريق التجمع الوطني للأحرار إلى رفع مساهمة الجهة في رأسمال هذه الشركات إلى ما لا يقل عن 95 في المائة، حفاظا على طابعها العمومي والجهوي، محذرا من منح المديرين العامين صلاحيات واسعة قد تُقصي المنتخبين من دائرة القرار.
أما فريق الاتحاد المغربي للشغل فاعتبر أن المشروع يمكن أن يساهم في تعميم نماذج حضرية ناجحة عرفتها مدن مثل الرباط وسلا وتمارة، خصوصا في مجالات البنيات التحتية والتأهيل الحضري والمساحات الخضراء والإنارة العمومية، واصفا التحولات التي شهدتها العاصمة بـ"الثورة الحقيقية".
من جهته، أشار الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب إلى الجوانب القانونية والمؤسساتية للمشروع، متسائلا عن حدود تدخل وزارة الداخلية في تعيين المدراء العامين، ومطالبا بمنح رؤساء الجهات دورا اقتراحيا في هذه التعيينات بما يضمن التوازن بين سلطة الوصاية والشرعية الانتخابية.
كما نبّه الفريق ذاته إلى استمرار الفوارق المجالية بين الجهات، خاصة في ما يتعلق بالعقار والاستثمار، متسائلا عن الكيفية العملية لتنزيل آليات التعاقد بين الدولة والجهات.
بدورها، عبّرت مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن تخوفها من الإعفاءات الضريبية التي ستستفيد منها الشركات الجهوية، معتبرة أن ذلك قد يؤثر مستقبلا على مبدأ المنافسة إذا اتجهت هذه المؤسسات نحو منطق الشركات الربحية.
كما أثارت المجموعة ملف الموارد البشرية، محذرة من انتقال الموظفين من وضعية الوظيفة العمومية إلى نظام الشركات دون ضمانات إضافية، ومطالبة بأن يواكب هذا التحول تحسين فعلي للأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين، وليس فقط الحفاظ على المكتسبات الحالية.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة