سياسة
الترحال السياسي.. حين تتغلب الحسابات الانتخابية على الالتزام الحزبي
28/05/2026 - 10:45
مراد كراخي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، تسجل الساحة السياسية حركية لافتة على مستوى انتقال عدد من المنتخبين والقيادات الحزبية من تنظيمات سياسية إلى أخرى، في ممارسات تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، وتعرف بـ"الترحال الحزبي" أو "الترحال السياسي".
وعلى بعد أشهر من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، تستمر هذه الدينامية في الظهور، رغم ما جاء به الإطار القانوني الانتخابي من مستجدات تروم تخليق الحياة السياسية، من خلال تشديد شروط الترشح، وإقصاء المدانين قضائيا، إلى جانب تحفيز مشاركة الشباب في العملية الانتخابية.
الإشكال يتجاوز النص القانوني
في هذا السياق، يرى الأستاذ الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، عبد الرحيم جديان، أن استمرار الترحال السياسي، رغم التنصيص الدستوري والقانوني، يؤكد أن الإشكال لم يعد قانونيا صرفا، بل أصبح مرتبطا أيضا ببنية الفعل الحزبي وثقافته الداخلية وآليات اشتغاله.
وأشار جديان، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن دستور 2011 وضع قاعدة واضحة للحد من الترحال السياسي من خلال الفصل 61، الذي ينص على تجريد كل عضو برلماني تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.
غير أن استمرار هذه الممارسات، بحسبه، يكشف أن الإشكال يتجاوز النص القانوني نحو أبعاد سياسية وتنظيمية وثقافية أعمق داخل المنظومة الحزبية.
وأوضح أن استمرار الترحال السياسي داخل الحقل الحزبي المغربي يعكس، في حالات عديدة، تحول بعض الأحزاب من مؤسسات للتأطير السياسي وإنتاج النخب إلى فضاءات انتخابية تُستعمل أساسا للبحث عن مرشحين قادرين على الفوز بالمقاعد.
التزكيات.. حسابات خاصة
قال عبد الرحيم جديان إنه مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تتحول عملية منح التزكيات إلى مجال تنافس حاد، حيث يغدو المرشح الذي يمتلك قاعدة انتخابية أو نفوذا محليا أو إمكانات مالية أكبر، أكثر جاذبية من المناضل الحزبي المرتبط ببرنامج أو مرجعية فكرية واضحة.
وفي هذا السياق، يبرز، حسب المتحدث، منطق "الأعيان" في عدد من الدوائر الانتخابية، حيث لا يصوت الناخب دائما للحزب أو البرنامج، بل للشخص أو لشبكته المحلية أو لموقعه الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يعزز الطابع الشخصي للتمثيل السياسي على حساب البعد الحزبي.
وأكد جديان أن هذا الواقع يجعل بعض المرشحين ينظرون إلى الحزب باعتباره مجرد "وسيلة عبور" نحو المقعد البرلماني، وليس إطارا للالتزام السياسي أو الاستمرارية التنظيمية، خاصة عندما يشعر المرشح بأن قوته الانتخابية مستقلة نسبيا عن البنية الحزبية.
ضعف الديمقراطية داخل الأحزاب
أشار المتحدث ذاته إلى أن ضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب يسهم بدوره في تغذية هذا السلوك، فحين تغيب الشفافية في منح التزكيات، وتضعف آليات تجديد النخب والترقي الحزبي على أساس الكفاءة والالتزام، يصبح الموقع الحزبي رهينا بتوازنات ظرفية بدل مسارات تنظيمية مستقرة.
ومن ثم، يضيف المتحدث، يتحول الانتقال من حزب إلى آخر، في بعض الحالات، إلى أداة للتفاوض السياسي أو البحث عن موقع انتخابي أفضل، أكثر مما هو تعبير عن تحول فكري أو مراجعة سياسية حقيقية.
ويرى الباحث أن القانون، رغم أهميته، يظل قادرا على معاقبة السلوك دون معالجة جذوره الثقافية والتنظيمية، موضحا أن النصوص الدستورية والتنظيمية يمكنها تقييد "الترحال العلني"، لكنها لا تستطيع وحدها خلق وفاء حزبي أو التزام إيديولوجي أو علاقة تعاقدية راسخة بين الحزب والمرشح والناخب.
وشدد على أن مواجهة هذه السلوكيات لا ينبغي أن تقتصر على تشديد العقوبات أو سد الثغرات القانونية فقط، بل تستدعي إصلاحا عميقا للحياة الحزبية، من خلال دمقرطة آليات التزكية، وتعزيز الشفافية الداخلية، وربط الدعم العمومي للأحزاب بمؤشرات التأطير والتكوين وتجديد النخب.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة