سياسة
وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي.. تفاصيل مقترح قانون لمواجهة المخاطر الرقمية
10/06/2026 - 17:10
يونس أباعلي
صادقت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، الثلاثاء 9 يونيو 2026، على مقترح قانون يقضي بإحداث الوكالة الوطنية للذكاء الاصطناعي، سعيا إلى تأطير السياسات العمومية المرتبطة بتطوير واستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حكامة هذا المجال الذي بات يشكل أحد أبرز رهانات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية على الصعيد العالمي.
ويستند المقترح، الذي تقدمت به المستشارة هناء بنخير عن الفريق النقابي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، إلى قناعة مفادها أن إحداث مؤسسة وطنية متخصصة بحجم وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي سيمكن من قيادة وتنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة في هذا المجال، مع ضمان تتبعها وتحيينها باستمرار بما ينسجم مع التطورات العالمية المتسارعة.
ويراهن المشروع على اضطلاع الوكالة بدور محوري في تكوين أجيال جديدة من المتخصصين والخبراء في الذكاء الاصطناعي، ونشر الوعي بأهمية هذه التكنولوجيا داخل المؤسسات الوطنية، إلى جانب الرفع من كفاءة العاملين بالإدارات والهيئات العمومية والخاصة عبر برامج تكوينية وتدريبية متخصصة.
كما يُنتظر أن تفتح الوكالة آفاقا جديدة للاستثمار والابتكار، وأن تسهم في تعزيز التعاون مع الشركات العالمية المتخصصة والمنظمات الإقليمية والدولية لمناقشة القضايا ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي وتطوير سبل الاستفادة منه.
مواجهة المخاطر الرقمية
ويبرز المقترح، في المقابل، المخاطر المرتبطة بسوء استخدام الذكاء الاصطناعي، محذرا من إمكانية تحوله إلى أداة لتنفيذ هجمات سيبرانية أو إنتاج محتويات مزيفة باستعمال تقنية "التزييف العميق"، فضلا عن نشر الأخبار المضللة وخطابات الكراهية، بما قد يشكل تهديدا للأمن العام.
وأشار أصحاب المبادرة التشريعية إلى أن تنامي هذه المخاطر، خاصة عبر منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يجعل من تقنين المجال وإرساء آليات حكامة متخصصة أمرا ملحا ومستعجلا، مع اعتماد مقاربة شمولية تستوعب مختلف التحديات والفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.
مؤهلات المغرب لدخول عصر الذكاء الاصطناعي
ويستند المقترح إلى مجموعة من العوامل التي تؤهل المغرب للتموقع ضمن الاقتصادات القائمة على الذكاء الاصطناعي، من بينها وفرة البيانات الناتجة عن تعداد سكاني يتجاوز 38 مليون نسمة، وهو ما يمنح قيمة مضافة للمعطيات الرقمية ويتيح توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من بينها القطاع الصحي.
كما يراهن المقترح على التوجه الذي تنتهجه المملكة نحو توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة والصناعات الصديقة للمناخ، وجذب الاستثمارات المرتبطة بالتحول الأخضر، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي يشكل رافعة أساسية لهذه التحولات.
ومن بين العناصر التي يبرزها النص أيضا الطبيعة الديمغرافية الفتية للمغرب، حيث تمثل فئة الشباب والأطفال نسبة مهمة من السكان، وهي الفئة الأكثر استخداما للتكنولوجيا والهواتف الذكية، ما يجعلها مؤهلة للاستفادة السريعة من برامج التكوين والتأهيل في مجالات الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد المقترح أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج بالضرورة إلى رؤوس أموال ضخمة بقدر ما يحتاج إلى الكفاءات والعقول، ما يجعل الاستثمار في الشباب رافعة حقيقية لدعم النمو الاقتصادي.
كما يستحضر المشروع عددا من المؤشرات الداعمة، من بينها وجود قطاع وزاري مكلف بالانتقال الرقمي، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2022-2030، فضلا عن توفر المغرب على كفاءات وخبرات معترف بها دوليا في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مؤسسات أكاديمية متخصصة تشتغل في مجالات الروبوتات والتعاون بين الإنسان والآلة والأمن السيبراني والبيانات الضخمة وتقنيات الويب والهواتف المحمولة.
صلاحيات واسعة واختصاصات تنظيمية
وينص المقترح على إخضاع الوكالة لوصاية الدولة بهدف ضمان احترام أجهزتها للمقتضيات القانونية المنظمة لها، مع خضوعها كذلك للمراقبة المالية المطبقة على المؤسسات العمومية.
وتهدف الوكالة إلى حوكمة مجال الذكاء الاصطناعي وتوفير المعطيات والمعلومات الاستشرافية المرتبطة به، وتعزيز الابتكار بما يمكن المغرب من بلوغ موقع ريادي ضمن الاقتصادات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ويمنح النص للوكالة صفة المرجع الوطني المختص في تنظيم وتطوير واستعمال الذكاء الاصطناعي، وفي مجالات البحث العلمي والتشغيل والابتكار المرتبطة به.
كما يعهد إليها وضع السياسات والمعايير والضوابط المنظمة للمجال، وتتبع مدى الالتزام بها، والمساهمة في تكوين الكفاءات الوطنية واعتماد المعايير المهنية ذات الصلة.
وتشمل اختصاصاتها أيضا إعداد وتنفيذ البرامج التعليمية والتدريبية، والتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، وإقامة وتشغيل واعتماد قواعد البيانات والمعطيات المتوفرة لدى الهيئات العمومية والخاصة، فضلا عن تشجيع الاستثمار والابتكار وتحفيز نمو قطاع الذكاء الاصطناعي. ومن بين المهام المقترحة للوكالة كذلك اقتراح آليات لترشيد النفقات وتنمية الموارد المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والعمل على نشر الوعي بالقوانين والسياسات المنظمة لهذا المجال، وتمثيل المغرب في المحافل الدولية ذات الصلة.
مجلس إدارة ومدير لتدبير الوكالة
ويقترح النص أن تتكون أجهزة تدبير الوكالة من مجلس إدارة ومدير. ويتألف مجلس الإدارة، بالإضافة إلى رئيسه، من ممثلين عن الدولة وشخصيات من القطاعين العام والخاص يتم تعيينهم لمدة خمس سنوات بموجب مرسوم، بالنظر إلى كفاءتهم في مجالات الذكاء الاصطناعي والتخصصات التقنية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات.
ويتمتع المجلس بكافة الصلاحيات اللازمة لتسيير الوكالة، بما في ذلك تحديد السياسات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي والإشراف على تنفيذها، والمصادقة على الاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة، واقتراح مشاريع القوانين والتعديلات التشريعية المرتبطة بنشاط الوكالة.
كما يتولى المجلس اقتراح إحداث مراكز متخصصة في الذكاء الاصطناعي، والترخيص بمزاولة بعض الأنشطة والعمليات المرتبطة به، وتطوير مؤشرات الأداء وإعداد التقارير الدورية، ونشر الإنجازات الوطنية على المستويين الوطني والدولي. وتشمل اختصاصاته أيضا تحديد أسعار الخدمات المقدمة للعموم، واعتماد التنظيم الإداري للوكالة، وإعداد النظام الأساسي لمستخدميها، والمصادقة على الميزانية والحسابات وبرامج العمل التقنية والمالية.
أما المدير، الذي يعين وفق القوانين الجاري بها العمل، فيتولى تنفيذ قرارات مجلس الإدارة والإشراف على سير عمل الوكالة وأجهزتها، واقتراح السياسات والاستراتيجيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتتبع تنفيذها، إضافة إلى التوقيع على الاتفاقيات والعقود بعد موافقة المجلس الإداري. كما يمكن للمجلس تفويض المدير لتسوية بعض الملفات ذات الطابع التقني أو الاستعجالي، فيما يحضر هذا الأخير اجتماعات مجلس الإدارة بصفة استشارية ويعد تقارير بشأن القضايا التي تمت مناقشتها.
ويمثل المدير الوكالة أمام الدولة والإدارات والأغيار وأمام القضاء، مع إمكانية تفويض بعض اختصاصاته للأطر العاملة تحت سلطته. ويلزم النص مدير الوكالة بإعداد تقرير سنوي حول أنشطتها ووضعية قطاع الذكاء الاصطناعي بالمغرب ومدى تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية ذات الصلة، على أن يرفع إلى رئيس الحكومة وينشر للعموم وفي الجريدة الرسمية.
موارد مالية ورقابة متعددة المستويات
وبحسب المقترح، تتكون ميزانية الوكالة من الاعتمادات المرصودة لها في الميزانية العامة للدولة، ورسوم الخدمات التي تقدمها، والهبات والوصايا والقروض المرخص بها قانونا، إضافة إلى مداخيل الاستغلال ومختلف الموارد المرتبطة بأنشطتها. وتشمل النفقات مصاريف التسيير والتجهيز، وتسديد القروض والتسبيقات، وجميع النفقات المرتبطة بتنفيذ مهام الوكالة. كما تخضع المؤسسة للمراقبة المالية للدولة، مع إلزامها بعرض حساباتها السنوية على مدقق حسابات خارجي يتولى تقييم أنظمة المراقبة الداخلية والتدقيق في الحسابات والميزانيات والوضعية المالية، وترفع تقاريره إلى مجلس الإدارة.
وينص المشروع على وضع الدولة، عند دخول القانون حيز التنفيذ، رهن إشارة الوكالة العقارات والمنقولات الضرورية لتأسيس ذمتها المالية الأولية، مع إعفاء عمليات نقل الملكية من أي رسوم أو ضرائب.
موارد بشرية متخصصة وضمانات للمستخدمين
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، ينص المقترح على أن تتوفر الوكالة على مستخدمين يتم توظيفهم وفق نظامها الأساسي، وموظفين ملحقين أو موضوعين رهن إشارتها طبقا للنصوص الجاري بها العمل، مع إمكانية الاستعانة بخبراء بعقود محددة المدة لإنجاز مهام متخصصة.
ويضمن المشروع عدم تضرر الموظفين المدمجين بالوكالة من حيث الوضعية الإدارية أو الأجور، مع التنصيص على تعويضات تكميلية عند الاقتضاء، والحفاظ على انخراطهم في أنظمة التقاعد التي كانوا يستفيدون منها قبل إدماجهم.
كما يتيح للموظفين والأعوان العاملين بالوكالة طلب الإدماج في نظامها الأساسي، وفق الشروط التي ستحدد لاحقا، مع احتساب الخدمات السابقة كما لو أنجزت داخل الوكالة.
ووفقا للمادة الأخيرة من المقترح، سيدخل القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقه في الجريدة الرسمية، بما يفتح الباب أمام إرساء إطار مؤسساتي جديد يهدف إلى قيادة التحول المغربي في مجال الذكاء الاصطناعي وتعزيز تنافسيته على المستويين الإقليمي والدولي.
مقالات ذات صلة
ذكاء اصطناعي
عالم
تكنولوجيا
ذكاء اصطناعي