مجتمع
ريّان .. الملاك والبلد الأمين
08/02/2022 - 13:26
يونس الخراشيجملة واحدة اختزلت صورة المغاربة عبر العالم في الأسبوع الماضي. "أناس حركوا جبلا من أجل ولدهم". فالألم كان كبيرا، والأمل كان أكبر منه. والتضامن صدر هبة بلا قيد أو شرط، ومن الجميع، وبلا استثناء.
ما أن وقعت الواقعة، وعلم بأن ولدا صغيرا، اسمه ريّان اورام، سقط في ثقب مائي، بقرية إغران، التابعة لشفشاون، حتى هب الجميع لينقذ الطفل. ما من أحد أكثر من الكلام، أو وجه الاتهام، أو بحث عن تفسيرات، بقدر ما أعطى كل "يد الله" للتعجيل بالإنقاذ.
تحركت السلطات المحلية، والمركزية، بكل مستوياتها وتشكيلاتها، وتداعى أولاد المنطقة إلى المكان، وجيء بالآليات اللازمة لبدء الحفر، وتطوع كثيرون من أجل النزول إلى الجب، وكان الإعلام الوطني ينقل الصورة بكل تفاصيلها؛ مؤكدا أن ريّان ما يزال حيا، وأن العمل لإخراجه جار وفق تصور مضبوط، وتنسيق تام بين الجهات المعنية.
وحين كان الوقت يمر، ويضغط على الأعصاب، فيما الجرافات تحفر الجبل، لإنقاذ ريّان، كان المغاربة يهبون يدا واحدة، كي يساعدوا بأي شكل من الأشكال. فمنهم من جاء إلى القرية كي يقدم يد العون، ومنهم من كان يقترح حلولا، ومنهم من كان يهيء المأكل والمشرب لعمال الحفر ورجال الوقاية المدنية والدرك والمعاونين، ومنهم من كان يرفع الدعاء إلى الله كي يحفظ ريّان، ويعيده إلى والديه؛ إلى المغرب والمغاربة.
ثم اكتشف العالم، القريب منه والبعيد، صورة المغرب الذي لا يعرفه حق المعرفة؛ صورة "أناس حركوا جبلا من أجل ولدهم". فصارت القضية في كل قرية وبيت، وعلى كل هاتف محمول، بل وفي كل قلب وضمير، وقيد كل نفس ونبضة؛ بحيث تسمر الملايين في مكانهم، ينتظرون اللحظة التي سيستخرج فيها ريّان من الجب، ويواصل الحياة.
وبينما كان الحفر يستمر، بحيث استسلم الجبل لإرادة المغاربة ورغبتهم في إنقاذ ولدهم، قبل رجال الوقاية المدينة، في لفتة رائعة، تدخل عمي علي الجاجاوي، الصحراوي، للاستفادة من خبرته في حفر الآبار ومعرفته بتضاريس المنطقة. لتنطلق حكاية جديدة من حكايات التضامن المغربي العجيب، الذي سرعان ما صار كتابا مفتوحا يقرأ في أنحاء العالم.
ورغم أن الحاجة إلى الخبر كانت كبيرة جدا، والعطش إلى المعلومة كان يضغط بقوة، إلا أن وسائل الإعلام الوطنية، الرصينة، تعاطت مع القضية بمنطق مهني صرف، وظلت تتحرى الدقة في البث والنشر، بحيث أخذ عنها العام درسا آخر في الصحافة، مثلما أخذ عنها الصورة والكلمة والبث، وهو يرى ألا مجال للمزيادات أو المغالطات أمام هذا الصف المتراص بلا فجوات، `إلا ما ندر واستهجنه القريب والبعيد.
اللحظات الأخيرة، والدقيقة، والحاسمة، مرت كأنما سنون عديدة وثقيلة. غير أن التدخل الحازم للسلطات، وبمعاونة ممن حضر، جعل المشتغلين بعملية الإنقاذ ينفرون إلى عملهم بكل خشوع العابدين، لا يلفتهم أي شيء عن الحفر الأفقي، فيما كانت الحشود، المتوسلة إلى الله، تقف وراء الحواجز الحديدية، ورجال ونساء الإعلام يؤدون الواجب المهني، فيما آخرون وأخريات بين مساعدة وخدمة وتذليل صعاب، فمن يهيء الأكل، ومن يحشن الهواتف والبطاريات، ومن يأتي بالماء للشرب، ومن ينظم الحشود، وغير ذلك.
عندما حانت اللحظة الأخيرة، وصار معلوما من قائد العملية، الذي كان يتحدث بين الفينة والأخرى للإعلاميين والإعلامييات بالخبر اليقين، أن الوصول إلى حيث يوجد ريّان صار قريبا، إذا بالقلوب تكاد تتوقف، والأنفاس تنحبس، والناس، هنا وعبر العالم، يتوقفون عن الحركة، منتظرين خبرا أخيرا ينهي أياما من الانتظار.
لحظة النهاية أيضا اختزلت صورة المغرب والمغاربة، وأبهرت العالم. فقد أُخرج جثمان ريّان بعملية محكمة، ومدروسة، وفي احترام كامل لحرمة الميت. وبينما كان الجثمان يُحمل في سيارة الإسعاف، مرفوقا بالوالدين، كان الخبر اليقين يأتي من الديوان الملكي، حيث قدم صاحب الجلالة العزاء لوالدي الطفل الفقيد، مشيدا بالهبة المغربية الكبيرة لإنقاذ الطفل ريّان، وبالتضامن العالمي.
وإذا بالمغاربة، الذين أمَّلوا وتألَّموا، محتسبين عند الله، صابرين منيبين، شاكرين لكل من أعطى "يد الله" لأجل ريّان، وبخاصة لمن سهر الليالي يحفر الجبل، وينظم الحشود، ويمد العون، في نكران كبير للذات، واستحضار لا يضاهى للروح الوطنية، وللروح الإنسانية. تلك الروح التي تداعى لها العالم، بمشاهيره ومغموريه، وصغيره وكبيره، في موجهة من التعاطف والمحبة فاضت بهما القلوب.
كتب الله لريّان الرحمة. وكتب للمغرب والمغاربة سيادة القلوب. "أناس حركوا جبلا من أجل ولدهم".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
الأنشطة الملكية